رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

كلما جاء أكتوبر عادت إلى الذاكرة صورة واحدة لا تحتاج إلى شرح طويل: علم مصر يرتفع فوق الضفة الشرقية لقناة السويس، وجندي مصري يقف على أرض عبر إليها بعد سنوات من الاحتلال والاستعداد والتضحيات، لكن التاريخ لا يحتفظ بالصور وحدها، وإنما يحتفظ بما وراءها؛ وراء العلم جيش أعاد بناء قدراته، ووراء العبور خطة دقيقة، ووراء الخطة سنوات من التدريب والعمل، ووراء النصر رجال عرفوا أن الأرض لا تعود بالكلام، وأن الأوطان حين تواجه اختبارا حقيقيا لا تملك ترف الانتظار، لهذا فإن أكتوبر، بعد أكثر من نصف قرن على حرب 1973، لا يزال قادرا على مخاطبة الحاضر بلغة واضحة ومباشرة: القوة تبنى، والإرادة تختبر، والنتائج يصنعها الذين يعرفون ماذا يريدون ثم يمتلكون القدرة على تحويل ما يريدون إلى فعل.

 

في السادس من أكتوبر 1973 بدأت القوات المصرية عملية العبور واقتحام قناة السويس، وتمكنت من إقامة رؤوس كباري شرق القناة ومواجهة التحصينات والهجمات المضادة، في عملية عسكرية ارتبط نجاحها بالتخطيط والإعداد والتنسيق ودقة التنفيذ، لكن قيمة أكتوبر لا تتوقف عند تفاصيل المعركة، لأن أعظم ما تركته الحرب للأجيال التالية هو الدرس الذي سبق لحظة العبور: مصر لم تنتظر أن تصبح الظروف مثالية، وإنما أعادت بناء قدرتها في ظروف شديدة الصعوبة، وحولت آثار الهزيمة إلى دافع للعمل والاستعداد، حتى جاءت اللحظة التي أصبحت فيها الإرادة قادرة على تغيير الواقع.

هذه الفكرة هي التي تجعل أكتوبر حاضرا في كل زمن، لأن الأوطان لا تستطيع أن تعيش على إنجازات الماضي وحدها، النصر الذي لا يتحول إلى طاقة للمستقبل يصبح ذكرى جميلة نعود إليها كل عام، أما النصر الذي يتحول إلى وعي وثقة وعمل فيظل حاضرًا في حياة الشعوب، وقيمة أكتوبر بالنسبة للأجيال الحالية لا تتمثل فقط في معرفة تفاصيل الحرب أو حفظ أسماء القادة والمعارك، وإنما في فهم العقل الذي صنع النصر؛ عقل يعرف أن الاستعداد يسبق المواجهة، وأن التخطيط يسبق القرار، وأن العمل المتراكم هو الذي يصنع اللحظة الفارقة.

 

الجندي المصري في أكتوبر لم يدخل المعركة اعتمادا على الحماس وحده، وإنما دخلها وهو جزء من منظومة كاملة من التدريب والانضباط والتنسيق والإعداد، ولذلك فإن الدرس الذي يصلح للحاضر ليس أن نكرر تفاصيل الماضي، وإنما أن نستعيد روحه في المجالات التي تحتاجها مصر اليوم، الطالب يحتاج إلى روح أكتوبر عندما يقرر أن العلم هو طريقه إلى المستقبل، والعامل يحتاج إليها عندما يتعامل مع عمله باعتباره مسؤولية، والباحث يحتاج إليها عندما يحول المعرفة إلى ابتكار، والشاب يحتاج إليها عندما يرفض أن يكون مجرد متفرج على المستقبل، والمواطن يحتاج إليها عندما يدرك أن حماية الوطن لا تكون فقط بالوقوف على الحدود، وإنما أيضا بالحفاظ على مؤسساته ومقدراته ووعيه واستقراره.

لقد كان الجندي المصري يعرف مهمته بدقة، ويعرف أن خلفه وطنا ينتظر منه أن يؤدي واجبه، فامتلك وضوح الهدف وقوة الإرادة والاستعداد الكامل لتنفيذ مهمته، كانت هناك خطة واضحة، وتدريب طويل، وانضباط في التنفيذ، وإيمان بأن الهدف يستحق التضحية، وهي القيم التي صنعت لحظة أكتوبر وتظل قادرة على إلهام الحاضر، واليوم، تمتد هذه الروح إلى مشروعات البناء والتنمية، حيث يشارك كل مواطن في صناعة المستقبل من موقعه، وتعمل مؤسسات الدولة وفق رؤية متكاملة، ويتحرك المجتمع بثقة نحو أهدافه، النجاح يبدأ بمعرفة الهدف، ويتحول إلى واقع بالعلم والعمل والإتقان، وكل إنجاز جديد تضيفه مصر يمثل امتدادا لروح أكتوبر؛ روح تؤمن بأن الإرادة حين تقترن بالتخطيط، وأن الطموح حين يتحول إلى عمل، يصبحان قوة حقيقية قادرة على صناعة المستقبل، ومن جيل عبر القناة واستعاد الأرض، إلى أجيال تبني وتطور وتبتكر، تظل القاعدة واحدة: مصر قادرة بأبنائها على تحويل الطموح إلى إنجاز، والإنجاز إلى مستقبل أكثر قوة واستقرارا.


المعركة تغيرت، لكن قيمة الاستعداد لم تتغير، الجندي الذي وقف على الضفة الشرقية كان يعرف أن عليه أن يحمي موقعه وأن يؤدي مهمته مهما كانت صعوبتها، والمواطن اليوم يعرف أن عليه أن يحمي مجتمعه من الإهمال والفوضى والشائعة واللامبالاة، الجيش كان يتدرب قبل المعركة، والشباب اليوم يحتاج إلى أن يتعلم قبل أن يدخل سوق المنافسة العالمية، الدولة كانت تستعيد قدراتها خطوة بعد خطوة، والدولة الحديثة تحتاج إلى استمرار البناء خطوة بعد خطوة، ليست المسألة مقارنة بين زمن الحرب وزمن السلام، وإنما امتداد لفكرة واحدة: القدرة الوطنية لا تأتي دفعة واحدة، وإنما تتراكم، كل مصنع جديد، وكل مشروع علمي، وكل جامعة تطور أداءها، وكل شاب يكتسب مهارة جديدة، وكل عامل يتقن عمله، وكل مؤسسة ترفع كفاءتها، يمثل جزءا من القوة التي تحتاجها الدولة في مواجهة المستقبل، وإذا كان جيل أكتوبر قد خاض معركة تحرير الأرض، فإن الأجيال الجديدة تخوض معارك مختلفة من أجل حماية المستقبل، وفي مقدمتها معركة العلم والإنتاج والوعي والتكنولوجيا والقدرة على المنافسة.

ولعل هذا هو المعنى الأهم الذي يجب أن يصل إلى الشباب في ذكرى أكتوبر: الوطن لا يحتاج منك أن تعيش في الماضي، وإنما يحتاج منك أن تفهم الماضي جيدا حتى تعرف كيف تبني المستقبل، الجيل الذي عبر قناة السويس لم يكن يمتلك ضمانا بأن المهمة ستكون سهلة، لكنه امتلك الاستعداد لخوضها، وهذه نقطة شديدة الأهمية في عالم اليوم؛ لأن المستقبل لا يعطي جوائزه لمن ينتظرون الظروف المثالية، وإنما لمن يستعدون للمنافسة ويطورون أدواتهم ويعرفون نقاط قوتهم ويتعاملون مع التحديات بعقل مفتوح وإرادة ثابتة.


مصر التي استطاعت أن تحول سنوات ما بعد 1967 إلى مرحلة لإعادة البناء والاستعداد، تستطيع أن تستفيد من الدرس نفسه في مواجهة تحديات العصر، وفي زمن تتغير فيه التكنولوجيا بسرعة، وتتسابق فيه الدول على الاقتصاد والمعرفة والابتكار، تصبح المحافظة على قوة الدولة مسؤولية مشتركة بين مؤسساتها ومواطنيها، ويصبح الوعي جزءا أساسيا من عناصر القوة، لأن المجتمع الذي لا يعرف كيف يميز الحقيقة من الشائعة، وكيف يقرأ المعلومات، وكيف يفهم مصالح بلده، يصبح أكثر عرضة للارتباك أمام الأزمات.

أكتوبر ليس صفحة أغلقتها السنوات، وإنما معنى يمكن أن يتجدد كلما واجه الوطن اختبارا جديدا، لقد أثبت المصريون في 1973 أن المستحيل ليس قدرا ثابتا، وأن الجدار الذي يبدو عصيا يمكن اختراقه عندما تتوافر المعرفة والتخطيط والإرادة والتضحية، وكلما جاء السادس من أكتوبر، لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: ماذا حدث في عام 1973؟ وإنما السؤال الذي يخص كل جيل هو: ماذا سنفعل نحن بما حدث؟ ماذا سنضيف إلى الوطن؟ ماذا سنترك للأبناء؟ وكيف نحول ذكرى النصر إلى قوة تدفعنا إلى الأمام؟ الإجابة ليست في الكلمات وحدها، وإنما في العمل؛ أن نتعلم أكثر، وننتج أكثر، ونبني أكثر، ونحمي وعينا أكثر، وأن يعرف كل مصري أن دوره، مهما بدا صغيرا، جزء من صورة أكبر اسمها مصر، و هكذا يصبح أكتوبر نصرا لا يتوقف، لا لأنه يعيد الحرب إلى حياتنا، وإنما لأنه يعيد إلى حياتنا قيمة الإرادة، ويذكرنا بأن وطنا استطاع أن يعبر أصعب لحظاته قادر على أن يصنع مستقبله متى امتلك أبناؤه الإيمان بالقدرة والعمل من أجلها، ذلك هو الاحتفال الذي يليق بأكتوبر، وذلك هو المعنى الذي يجعل النصر مستمرا من جيل إلى جيل.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء