رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ثروات هائلة وقيمة مضافة محدودة.. كيف تستفيد أفريقيا من 1.4 مليار مستهلك؟

الرئيس السيسي من
الرئيس السيسي من منتدى العلمين

في مدينة العلمين الجديدة، لا تبدو المعركة الاقتصادية لأفريقيا مرتبطة فقط بزيادة حجم التجارة أو جذب مزيد من الاستثمارات، وإنما بكيفية تحويل الثروات والموارد الطبيعية الهائلة التي تزخر بها القارة إلى منتجات مصنّعة وقيمة اقتصادية تبقى داخل حدودها.

ومع انطلاق الدورة الأولى من منتدى «العلمين – أفريقيا للأعمال» خلال الفترة من 2 إلى 4 أكتوبر 2026، بالتزامن مع استضافة مصر للدورة الثامنة من القمة التنسيقية لمنتصف العام للاتحاد الأفريقي، تصدرت فكرة التكامل الاقتصادي وبناء الشراكات العابرة للحدود وسلاسل القيمة الإقليمية النقاشات الاقتصادية، في إطار السعي إلى ترجمة مستهدفات أجندة أفريقيا 2063 إلى مشروعات وفرص استثمارية قابلة للتنفيذ.

ويعيد هذا الطرح فتح واحد من أقدم الملفات في الاقتصاد الأفريقي: كيف تنتقل القارة من نموذج تصدير الثروات الخام، سواء المعادن أو المنتجات الزراعية، ثم استيرادها بعد تصنيعها بأسعار أعلى، إلى نموذج يقوم على المعالجة والتكرير والتصنيع داخل القارة، بما يعظم القيمة المضافة، ويخلق فرص عمل، ويعزز القدرة الإنتاجية ويحد من الاعتماد على الخارج.

قارة غنية بالموارد.. فقيرة في القيمة المضافة

تمتلك أفريقيا موقعًا استثنائيًا في خريطة الموارد العالمية، إذ توفر نحو 70% من الكوبالت العالمي، وثلاثة أرباع المنجنيز تقريبًا، ونحو خُمس النحاس العالمي، إلى جانب الليثيوم والجرافيت والبوكسيت، لكن هذه المكانة في مرحلة استخراج الموارد لا تنعكس بالقدر نفسه على مراحل المعالجة والتكرير والتصنيع، وهي المراحل التي تستحوذ عادةً على النصيب الأكبر من القيمة الاقتصادية.

وتؤكد بيانات حديثة أن أفريقيا لا تزال تستحوذ على أقل من 1% من القيمة الناتجة عن تصنيع تقنيات الطاقة النظيفة ومكوناتها، رغم حصتها الكبيرة من إمدادات المعادن الأساسية المستخدمة في هذه الصناعات.

وفي الوقت نفسه، ارتفعت القيمة المضافة للصناعات التحويلية في القارة من 285 مليار دولار في 2020 إلى 351 مليار دولار في 2025، إلا أن أفريقيا لا تزال تمثل أقل من 2% من الإنتاج الصناعي العالمي ونحو 1.4% فقط من صادرات الصناعات التحويلية عالميًا، وفق مؤشر التصنيع الأفريقي الصادر عن بنك التنمية الأفريقي.

وهنا تظهر المفارقة بوضوح، القارة تمتلك المواد الأولية التي يحتاجها الاقتصاد العالمي، لكنها لا تحصل حتى الآن على حصة مماثلة من القيمة التي تُخلق بعد معالجة هذه الموارد وتحويلها إلى منتجات نهائية أو مكونات صناعية متقدمة.

التجارة البينية.. سوق ضخمة لم تستغل بعد

رغم قيام منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، لا تزال التجارة بين دول القارة تمثل نحو 16% إلى 18% من إجمالي تجارتها، وهو ما يعكس حجم الفجوة بين الطموح القاري وواقع الترابط الاقتصادي. ويؤكد الاتحاد الأفريقي أن رفع هذه النسبة يتطلب تسريع تنفيذ الاتفاقية، وإزالة الحواجز أمام التجارة، ومواءمة الأطر التنظيمية، والاستثمار في البنية التحتية التي تربط الاقتصادات الأفريقية ببعضها البعض.

ويأتي ذلك رغم أن القطاع الخاص يساهم بأكثر من 70% من الناتج المحلي الإجمالي في القارة، بينما تتم نسبة كبيرة من تعاملاته مع شركات خارج أفريقيا، في وقت يفتقر فيه أكثر من نصف الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى معلومات كافية حول الفرص المتاحة في الأسواق المجاورة، بحسب البيانات الواردة في المادة.

وهكذا، لا تبدو المشكلة في غياب السوق أو الموارد، بقدر ما ترتبط بضعف الترابط بين الاقتصادات الأفريقية، ومحدودية قدرة الشركات على العمل عبر الحدود، وارتفاع تكلفة التجارة والاستثمار داخل القارة.

العلمين.. من منصة سياسية إلى مساحة اقتصادية

في افتتاح منتدى «العلمين – أفريقيا للأعمال»، أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي أن المنتدى يمثل منصة قارية استراتيجية لحشد الجهود لتحقيق أهداف أجندة أفريقيا 2063، وتحويل طموحات العمل الأفريقي المشترك إلى واقع ملموس، مع توفير مساحة لقطاع الأعمال للتفاعل مع القادة وبناء شراكات عابرة للحدود ودفع التكامل الاقتصادي.

وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة مع انعقاد المنتدى بالتوازي مع القمة التنسيقية الثامنة للاتحاد الأفريقي، بما يعكس ارتباط المسارين السياسي والاقتصادي في جهود التكامل القاري. كما ينص قرار الاتحاد الأفريقي الصادر في فبراير 2026 على عقد المنتدى بصورة دورية كل عامين في مدينة العلمين الجديدة، بالتعاون بين الحكومة المصرية ومفوضية الاتحاد الأفريقي ووكالة الاتحاد الأفريقي للتنمية «أودا-نيباد» والبنك الأفريقي للتصدير والاستيراد «أفريكسيم بنك».

سلاسل القيمة.. الاختبار الأصعب للتكامل

في هذا السياق، تبرز سلاسل القيمة الإقليمية باعتبارها أحد المسارات العملية لتحويل التكامل الأفريقي من إطار تجاري إلى قاعدة إنتاجية مشتركة، بحيث تتخصص كل دولة في مراحل من العملية الإنتاجية وفقًا لمواردها وقدراتها، بدلًا من محاولة بناء جميع مراحل الصناعة داخل كل دولة على حدة.

وتشير دراسات اللجنة الاقتصادية لأفريقيا إلى أن تنفيذ اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية يمكن أن يدعم تطوير سلاسل قيمة إقليمية في قطاعات الزراعة والصناعات الغذائية والسيارات والأدوية والطاقة المتجددة، مع ضرورة تقليل الحواجز غير الجمركية، وتطوير القدرات الإنتاجية، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة.

كما ترى اللجنة أن انتقال الدول الأفريقية إلى إنتاج السلع ذات القيمة المضافة الأعلى يمكن أن يعزز التجارة الإقليمية، ويرفع الإنتاجية، ويدعم خلق فرص العمل ونقل التكنولوجيا والمهارات عبر الحدود.

السيارات.. نموذج لاختبار السوق الأفريقية الموحدة

وكان قطاع السيارات حاضرًا بصورة بارزة ضمن فعاليات المنتدى، من خلال «منتدى الاستثمار في قطاع السيارات الأفريقي»، الذي نظم بالتعاون مع «أفريكسيم بنك»، بهدف حشد الاستثمارات وبناء سلاسل قيمة إقليمية متكاملة تخدم الأسواق الأفريقية.

وشارك في الفعاليات المهندس خالد هاشم، وزير الصناعة، إلى جانب وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية ووزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج ووزير الاستثمار والتجارة الخارجية، بحضور نحو 1500 من قادة مجتمع الأعمال والمستثمرين الأفارقة.

ويمثل قطاع السيارات نموذجًا مهمًا لفكرة التكامل الصناعي؛ إذ يمكن توزيع مراحل الإنتاج والتصنيع والمكونات بين أكثر من دولة، بما يوسع قاعدة الموردين ويزيد المكون الأفريقي ويخلق سوقًا أكثر قدرة على استيعاب الاستثمارات الصناعية الكبيرة.

دانغوتي: الخام وحده لا يصنع القوة الصناعية

ومن بين الأصوات البارزة في المنتدى، إليكو دانغوتي، مؤسس ورئيس مجموعة «دانغوتي»، التي تعد أكبر تكتل اقتصادي في غرب أفريقيا، والذي شارك في فعاليات المنتدى والتقى الرئيس السيسي على هامشه.

وفي طرحه بشأن مستقبل التصنيع الأفريقي، برزت الحاجة إلى الانتقال السريع من تصدير المواد الخام إلى إضافة القيمة والتصنيع الإقليمي، مع معالجة مشكلة التجزئة التنظيمية التي ترفع تكاليف الإنتاج وتحد من قدرة الصناعات الأفريقية على الاستفادة من الحجم الكبير للسوق القارية.

وتكتسب هذه الرؤية أهمية في ضوء حقيقة أن أحد أبرز تحديات الصناعة الأفريقية لا يرتبط فقط بنقص الموارد، وإنما بتشتت الأسواق والأنظمة والقدرات الإنتاجية، وهو ما يجعل تفعيل منطقة التجارة الحرة القارية أداة أساسية لتوفير الحجم الذي تحتاجه الاستثمارات الصناعية الكبرى.

منتدى العلمين - إفريقيا للأعمال ٢٠٢٦

الأدوية.. 1.4 مليار مستهلك خلف حدود القارة

وفي قطاع الرعاية الصحية والصناعات الدوائية، طرح الرئيس الغاني جون دراماني ماهاما نموذجًا آخر لأهمية السوق الموحدة تحت مظلة AfCFTA، مشيرًا إلى أن المصنع الدوائي الأفريقي يستطيع، في ظل السوق القارية الموحدة، الوصول إلى نحو 1.4 مليار مستهلك بدلًا من الاكتفاء بسوق وطنية محدودة.

كما ربط ماهاما بين توطين صناعة الأدوية والإحلال محل الواردات وحماية احتياطيات النقد الأجنبي، في ظل اعتماد أفريقيا على استيراد أكثر من 70% من احتياجاتها الدوائية ونحو 99% من اللقاحات.

ويكشف هذا النموذج عن أحد أهم أوجه القوة التي يمكن أن توفرها السوق الأفريقية الموحدة: تحويل حجم الطلب القاري من مجرد رقم ديموغرافي ضخم إلى أساس اقتصادي قادر على دعم الاستثمار الصناعي وتوطين الإنتاج.

الخبراء: التخصص الإقليمي أكثر واقعية من الاكتفاء الذاتي

يرى خبراء ومتابعون للشأن الأفريقي أن بناء سلاسل قيمة إقليمية متكاملة قد يكون أكثر واقعية من سعي كل دولة إلى بناء سلسلة إنتاج كاملة داخل حدودها.

وفي هذا السياق، يشير إسلام سويلح، رئيس ريادة الأعمال والاستثمار بمفوضية الاتحاد الأفريقي، إلى أن ضعف دمج الموارد داخل سلاسل قيمة شاملة يمثل أحد العوائق الرئيسية أمام تحقيق قيمة اقتصادية أكبر، خاصة مع استمرار معاناة المزارعين الصغار من نقص التمويل والتكنولوجيا والوصول إلى الأسواق، إلى جانب تصدير العديد من المعادن في صورتها الخام دون معالجة.

وتستهدف مبادرات الاتحاد الأفريقي، ومنها مركز الأسواق الشاملة واستراتيجية تنمية المعادن، زيادة القيمة المضافة المحلية وخلق فرص العمل، بينما تركز أجندة التكامل القاري على ربط الإنتاج بالأسواق عبر الحدود.

وتدعم أدبيات اللجنة الاقتصادية لأفريقيا هذا الاتجاه، إذ ترى أن التخصص بين الدول في مراحل إنتاج مترابطة يمكن أن يتيح الاستفادة من المزايا النسبية لكل اقتصاد، بدلًا من تحمل تكلفة إقامة كل مراحل الإنتاج في سوق وطنية واحدة.

انطلاق منتدى "العلمين–أفريقيا للأعمال" في مدينة العلمين الجديدة | الهيئة  الوطنية للإعلام

ما الذي ينقص أفريقيا؟

رغم وضوح الفرصة، فإن الانتقال من تصدير المواد الخام إلى صناعة القيمة يظل مشروطًا بإصلاحات أعمق من مجرد خفض الرسوم الجمركية.

فالنجاح يتطلب إزالة الحواجز غير الجمركية، ومواءمة المعايير، وتبسيط الإجراءات، وتطوير شبكات النقل والموانئ والطاقة والربط الرقمي، إلى جانب توفير تمويل ملائم طويل الأجل، خصوصًا للمشروعات الصغيرة والمتوسطة.

وتؤكد مؤسسات أفريقية ودولية أن تطوير البنية التحتية، وتوحيد الأطر التنظيمية، وربط الأسواق، تمثل شروطًا أساسية لفتح الطريق أمام سلاسل القيمة الإقليمية والتصنيع القاري.

من «قارة الموارد» إلى «قارة الصناعة»

تضع فعاليات العلمين هذا السؤال في قلب النقاش الاقتصادي الأفريقي: هل تستطيع القارة تحويل ميزتها الطبيعية إلى ميزة صناعية مستدامة؟

الإجابة لن تأتي من دولة واحدة، ولا من قطاع واحد، وإنما من نموذج يقوم على التصنيع المشترك، وتوزيع مراحل الإنتاج، وتسهيل انتقال السلع ورؤوس الأموال والخبرات، والاستفادة من الحجم الهائل للسوق الأفريقية.

ومع استضافة مصر لمنتدى «العلمين – أفريقيا للأعمال» والقمة التنسيقية للاتحاد الأفريقي، تطرح القاهرة نفسها كإحدى المنصات الساعية إلى ربط العمل السياسي بالفرص الاقتصادية ومشروعات الاستثمار والتكامل الصناعي. وتؤكد أجندة المنتدى نفسها أن الهدف لا يقتصر على الحوار، وإنما يمتد إلى بناء شراكات تجارية واستثمارية عابرة للحدود وتحويل الفرص إلى نتائج ملموسة.

وكما قال الرئيس السيسي في كلمته الافتتاحية: «القرن الحادي والعشرين، سيكون قرنًا أفريقيًا بامتياز، إن أحسنا العمل المشترك».

ويبقى السؤال الحقيقي، هل تستمر أفريقيا في تصدير ثرواتها في صورتها الخام، أم تنجح هذه المرة في بناء سلاسل إنتاج تجعل القيمة المضافة، وليس المادة الخام وحدها، هي عنوان القوة الاقتصادية للقارة؟

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء