التبادل التجاري والاقتصادي بين مصر وأفريقيا.. 9.9 مليار دولار تجارة و12 مليارًا استثمارات مصرية بالقارة
تتجه العلاقات الاقتصادية بين مصر والقارة الأفريقية إلى مساحة أوسع من التجارة التقليدية، مع توسع الشركات المصرية في قطاعات الإنشاءات والطاقة والبنية التحتية والخدمات، بالتوازي مع ارتفاع الصادرات المصرية إلى الأسواق الأفريقية وتعاظم أهمية منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية «AfCFTA» كإطار لتوسيع حركة السلع والاستثمارات.
وتكشف أحدث البيانات السنوية المتاحة عن استمرار نمو التجارة المصرية مع دول الاتحاد الأفريقي، إذ ارتفع حجم التبادل التجاري إلى 9.9 مليار دولار خلال عام 2024، مقابل 9.2 مليار دولار في 2023، بنمو 7.6%، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
9.9 مليار دولار حجم التجارة في 2024
بلغت الصادرات المصرية إلى دول الاتحاد الأفريقي نحو 7.8 مليار دولار في 2024، مقابل 7.4 مليار دولار في 2023، بزيادة 5.4%.
وفي المقابل، ارتفعت الواردات المصرية من دول الاتحاد الأفريقي إلى 2.1 مليار دولار، مقابل 1.8 مليار دولار في العام السابق، بنمو 16.7%.
وتكشف هذه الأرقام عن فائض تجاري لصالح مصر يقترب من 5.7 مليار دولار خلال 2024، ما يعكس اتساع الفجوة بين قيمة الصادرات المصرية والواردات من دول الاتحاد الأفريقي.
ليبيا تتصدر وجهات الصادرات المصرية
رغم اتساع الأسواق الأفريقية، فإن الجزء الأكبر من الصادرات المصرية لا يزال يتركز في عدد محدود من الدول.
واستحوذت أكبر خمس وجهات أفريقية على 69.1% من إجمالي الصادرات المصرية إلى دول الاتحاد الأفريقي خلال 2024.
وتصدرت ليبيا قائمة الدول المستقبلة للصادرات المصرية بقيمة بلغت نحو 2 مليار دولار، تلتها المغرب بنحو 1.1 مليار دولار، ثم الجزائر بنحو 1 مليار دولار، والسودان بنحو 884 مليون دولار، وتونس بنحو 369 مليون دولار.
وتشير الخريطة الجغرافية للصادرات إلى أن الأسواق العربية في شمال أفريقيا تستحوذ على وزن كبير من التجارة المصرية مع القارة، وهو ما يترك مساحة لزيادة الحضور المصري في أسواق أفريقيا جنوب الصحراء.
الكونغو الديمقراطية أكبر مورد أفريقي لمصر
على جانب الواردات، تركزت 80.7% من إجمالي واردات مصر من دول الاتحاد الأفريقي في خمس دول خلال 2024.
وجاءت جمهورية الكونغو الديمقراطية في المقدمة بقيمة 661.9 مليون دولار، تلتها السودان بنحو 292.4 مليون دولار، ثم كينيا بـ260.1 مليون دولار، ونيجيريا بـ165.5 مليون دولار، وجنوب أفريقيا بـ154.3 مليون دولار.
وتكشف قائمة الواردات عن اختلاف واضح في طبيعة التجارة؛ فبينما تعتمد الصادرات المصرية بدرجة كبيرة على المنتجات الصناعية والغذائية ومواد البناء، تتضمن الواردات الأفريقية كميات كبيرة من المواد الخام والسلع الزراعية والموارد الطبيعية.
النحاس يتصدر الواردات.. والأسمنت واللدائن في الصدارة المصرية
جاء النحاس ومصنوعاته على رأس أهم مجموعات السلع التي استوردتها مصر من دول الاتحاد الأفريقي خلال 2024، بقيمة 741.5 مليون دولار.
كما بلغت واردات مصر من البن والشاي نحو 286.6 مليون دولار، والوقود والزيوت المعدنية نحو 203.7 مليون دولار، والحيوانات الحية نحو 147.6 مليون دولار، والحبوب والأثمار الزيتية نحو 109.4 مليون دولار.
أما الصادرات المصرية، فتصدرت قائمة السلع المصدرة الأسمنت بأنواعه والملح بقيمة 700 مليون دولار، تلتها اللدائن ومصنوعاتها بقيمة 593 مليون دولار، ثم منتجات مطاحن الحبوب مثل الدقيق والنشا بقيمة 410 ملايين دولار.
وتعكس هذه التركيبة فرصة أمام الشركات المصرية لزيادة صادرات المنتجات ذات القيمة المضافة، بالتوازي مع توسيع استيراد المواد الخام الأفريقية التي يمكن استخدامها في الصناعة المحلية.
5.9 مليار دولار تجارة مصر مع الكوميسا
على مستوى التكتلات الاقتصادية الأفريقية، بلغ حجم التبادل التجاري بين مصر ودول الكوميسا نحو 5.9 مليار دولار في 2024، مقابل 5.8 مليار دولار في 2023، بزيادة 1.7%.
وبلغت الصادرات المصرية إلى دول الكوميسا نحو 4.4 مليار دولار مقابل 4.2 مليار دولار في العام السابق، بزيادة 4.8%، بينما بلغت الواردات نحو 1.5 مليار دولار مقابل 1.6 مليار دولار، بانخفاض 6.3%.
كما بلغ حجم التبادل التجاري بين مصر ودول الساحل والصحراء نحو 6.9 مليار دولار في 2024، مقابل 6.5 مليار دولار في 2023، بزيادة 6.2%.
وسجلت الصادرات المصرية إلى دول الساحل والصحراء 5.9 مليار دولار، مقابل واردات بلغت نحو 1.049 مليار دولار.
أما التجارة مع دول حوض النيل، فبلغت 2.9 مليار دولار في 2024، مقابل 3 مليارات دولار في 2023، بانخفاض 3.3%.
أكثر من 12 مليار دولار استثمارات مصرية في أفريقيا
لا تقتصر العلاقات الاقتصادية على التجارة، إذ توسع الشركات المصرية نشاطها في عدد من الأسواق الأفريقية، خصوصًا في قطاعات الإنشاءات والطاقة والبنية التحتية والنقل والزراعة والخدمات.
ووفق تصريحات رسمية مصرية، تجاوز إجمالي الاستثمارات المصرية في أفريقيا 12 مليار دولار، مع استمرار تشجيع الشركات المصرية على زيادة استثماراتها وشراكاتها داخل القارة.
وتعد شركة المقاولون العرب من أبرز الأمثلة على التوسع المصري في الأسواق الأفريقية، إذ تشير بيانات الشركة إلى تنفيذ أكثر من 1000 مشروع في 26 دولة أفريقية منذ بدء نشاطها بالقارة عام 1964.
ويمتد النشاط المصري إلى مشروعات الطاقة والمياه والطرق والموانئ والاتصالات والخدمات المالية، بما يفتح المجال أمام الشركات المصرية للاستفادة من احتياجات البنية الأساسية المتزايدة في القارة.
مصر في صدارة مستقبلي الاستثمار الأجنبي بأفريقيا
على الجانب المقابل، احتفظت مصر بموقعها كأكبر مستقبِل لتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في أفريقيا خلال 2025، وفق تقرير الاستثمار العالمي 2026 الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «UNCTAD».
وبلغت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى مصر نحو 15.5 مليار دولار في 2025، مقارنة بنحو 46.6 مليار دولار في 2024، وهو انخفاض كبير ارتبط بصورة أساسية بالقاعدة الاستثنائية التي شهدها عام 2024 بعد صفقة رأس الحكمة البالغة 35 مليار دولار.
وفي الوقت نفسه، بلغت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى القارة الأفريقية نحو 70 مليار دولار في 2025، وفق UNCTAD.
وتحتاج قراءة هذه الأرقام إلى التمييز بين التدفقات الاستثمارية السنوية وبين رصيد الاستثمارات المتراكمة، خصوصًا أن الصفقات الاستثمارية الضخمة يمكن أن تؤثر بصورة كبيرة في إجمالي التدفقات خلال عام واحد.
AfCFTA.. سوق قارية تتجاوز الحدود التقليدية
تمثل منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية «AfCFTA» أحد أهم الأطر التي يمكن أن تغير شكل التجارة المصرية مع القارة خلال السنوات المقبلة.
وقعت مصر اتفاقية إنشاء منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية في 21 مارس 2018، وأودعت وثيقة التصديق عليها في 8 أبريل 2019.
ودخلت الاتفاقية حيز النفاذ في 30 مايو 2019 بعد استيفاء الحد الأدنى المطلوب من التصديقات.
وتستهدف الاتفاقية إقامة سوق أفريقية أكثر تكاملًا، عبر إزالة الحواجز أمام التجارة وتسهيل حركة السلع والخدمات والاستثمارات بين الدول الأفريقية.
كما شهد مسار تنفيذ الاتفاقية إطلاق مجموعة من الأدوات والآليات الخاصة بتسهيل التجارة، بما يشمل قواعد المنشأ ونظام المدفوعات والتسويات الأفريقي وآليات رصد وإزالة الحواجز غير الجمركية.
وبالنسبة لمصر، يمكن أن توفر الاتفاقية إطارًا أوسع أمام الشركات الصناعية والغذائية والدوائية والهندسية ومواد البناء للوصول إلى أسواق جديدة، خاصة مع توسع الطلب الأفريقي على المنتجات المصنعة والخدمات والبنية التحتية.
أين تكمن الفرصة المصرية؟
تكشف خريطة التجارة الحالية عن فرص متزامنة على جانبي التجارة.
فعلى مستوى الصادرات، يمكن للشركات المصرية البناء على وجودها الحالي في الأسمنت واللدائن والمنتجات الغذائية ومواد البناء، مع زيادة المنتجات ذات القيمة المضافة.
أما على جانب الواردات، فتقدم أفريقيا مصادر مهمة للنحاس والمواد الزراعية والحبوب الزيتية والبن والحيوانات الحية وغيرها من الخامات والسلع الأولية.
ومن شأن تطوير سلاسل الإمداد بين مصر والأسواق الأفريقية أن يربط بين المواد الخام الأفريقية والقدرات التصنيعية المصرية، بدلًا من اقتصار العلاقة على تصدير المنتجات النهائية.
كما تمثل قناة السويس والموانئ والمناطق الصناعية واللوجستية المصرية عناصر يمكن أن تدعم تحول مصر إلى نقطة ربط بين الأسواق الأفريقية وأوروبا وآسيا والشرق الأوسط.
التحدي.. التجارة تنمو لكن التركيز الجغرافي لا يزال مرتفعًا
رغم ارتفاع التجارة إلى 9.9 مليار دولار في 2024، تكشف البيانات عن استمرار تركّز جزء كبير من الصادرات المصرية في عدد محدود من الأسواق؛ إذ استحوذت ليبيا والمغرب والجزائر والسودان وتونس وحدها على 69.1% من الصادرات المصرية إلى دول الاتحاد الأفريقي.
وفي المقابل، جاءت 80.7% من الواردات المصرية من خمس دول أفريقية فقط.
وهذا يعني أن المرحلة المقبلة لا ترتبط فقط بزيادة القيمة الإجمالية للتجارة، وإنما أيضًا بتوسيع قاعدة الشركاء والأسواق والقطاعات، خصوصًا في أفريقيا جنوب الصحراء.
وتظل تكلفة النقل واللوجستيات، وتباين البنية التحتية، وآليات التمويل والتأمين، والحواجز غير الجمركية، واختلاف النظم والإجراءات بين الأسواق من أبرز العوامل التي تؤثر في قدرة الشركات على التوسع داخل القارة.









