«لكل داءٍ دواءٌ يُستطبُّ به.. إلا الحماقةَ أعيتْ من يداويها».. بيتٌ من شعر أبي الطيب المتنبي، قيل منذ عصور سحيقة، لكن صداه يصلح لوصف المشهد الإثيوبي المهلهل، بعد تعليق أزماتها الداخلية على شماعة خارجية تعلق عليها إخفاقاتها الداخلية.
الصراحة تقتضي القول إن تعليق الأزمات الدائرة في إثيوبيا على مصر وإريتريا والسودان هو لغو حديث لا يرقى إلى كلام سياسي جاد يؤخذ ويُرد عليه.
الرد المصري على هذه الهرطقات الإثيوبية بشأن دعم القاهرة جماعات مسلحة داخل إثيوبيا جاء مقتضبًا، فقط في ثلاث كلمات، لكنها تحمل الكثير: «هي والعدم سواء».
ثلاث كلمات هي في حقيقتها ثلاث لكمات في وجه الفشل الإثيوبي، تحمل كل منها دلالة مختلفة، لكنها تلتقي عند نقطة واحدة: مصر لا تبحث عن صدام، لكنها لا تقبل المساس بمصالحها أو الزج باسمها في أزمات الآخرين.
الرد زاد من حماقة الجانب الإثيوبي، وجاء ليؤكد أن السياسة المصرية لا تُدار بالضجيج أو الحنجورية، وإنما بالعقل والرصانة؛ احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، ورفض الاتهامات التي لا تستند إلى أدلة معلنة.
لم تصل الرسالة إلى عقلاء الحبشة، إن كان هناك عقلاء؟ وجاء الرد عندما أعلنت إثيوبيا اعتبار دبلوماسي مصري شخصًا غير مرغوب فيه ومنحته 48 ساعة لمغادرة البلاد. ولم يتأخر الرد المصري، فجاءت الصفعة المصرية الأخرى تحت شعار المعاملة بالمثل، بإعلان اعتبار دبلوماسي إثيوبي شخصًا غير مرغوب فيه ومنحه المهلة ذاتها.
الحقيقة أن القاهرة لم تكن الطرف المتجاوز في التصعيد، لكنها لم تتعامل معه بمنطق الضعف أو التردد، فالرسالة واضحة: الهدوء المصري لا يعني غياب القدرة على الرد، والصبر الاستراتيجي لا يعني قبول تجاوز الخطوط الدبلوماسية.
ولعل ربط الأزمات الإثيوبية الداخلية بأدوار خارجية هي مسرحية عبثية، فالحقائق تقول إن أديس أبابا تعاني منذ سنوات من كابوس انفصال عدد من الأقاليم، وسالت ولا تزال تسيل الدماء هناك بحورًا، وتواجه شبكة معقدة من التحديات الداخلية.
في ظني أن القاهرة لا تحتاج إلى صناعة خصوم وهميين حتى تثبت حضورها، ولا تحتاج إلى تصدير أزماتها إلى الخارج؛ فلديها من المؤسسات والسياسة خارجية ما يكفي لحماية الأمن القومي، واحترام سيادة الدول، والتمسك بحقوقها ومصالحها دون الانجرار إلى مغامرات غير محسوبة.
ولعل ملف سد النهضة تحديدًا مثال على ذلك، حين تمسكت مصر على مدار سنوات بحق إثيوبيا في التنمية، بالتوازي مع مطالبتها باتفاق قانوني يضمن عدم الإضرار بمصالح دولتي المصب،بمنطق لا ضرر ولا ضرار.
الواقع يؤكد أن استراتيجية أبي أحمد قائمة على خلق عدو وهمي، عبر تجييش المشاعر القومية وخلق روح الكراهية تجاه دول الجوار، للتغطية على المشكلات الداخلية، سواء التجاذبات السياسية بين الأقاليم الإثيوبية، التي تهدد التماسك الوطني الإثيوبي، فضلًا عن المتاعب الاقتصادية.
وهي الطريقة التي سار عليها في مشروع السد الإثيوبي، باعتباره سيحقق النهضة المزعومة لإثيوبيا، وينتشلها من الظلام ويتيح تصدير الكهرباء لدول الجوار، وهو ما لم يتحقق، رغم أن منسوب المياه خلف السد قارب أن يتجاوز السد نفسه؛ فلا كهرباء أضاءت عتمة الإثيوبيين، ولا تنمية تحققت، مجرد أحاديث أفك.
بدون شك، أبي أحمد، الذي قدم نفسه في ثوب مانديلا إثيوبيا وإصلاحي تقدمي، هو في الحقيقة خطر على منطقة القرن الإفريقي وعلى وحدة الدولة الإثيوبية، ولعل المذابح الوحشية مع التيجراي شاهد عيان على أنه مجرم حرب وليس رجل سلام.
وتبقى رسالة «هي والعدم سواء»، والمعاملة بالمثل، جرسَ إنذارٍ لا يحتاج إلى قرع ،فمن يختار تصدير أزماته إلى الجوار، فعليه أن يتحمل تبعات هذا الخيار، ومن يضع اسم مصر في مرمى اتهاماته، فعليه أن يعرف أن الرد لن يكون بالصخب، وإنما بالموقف.
مصر لا تُستدرج إلى معارك الآخرين، ولا تسمح بأن تتحول إلى شماعة لفشلهم. وحين يتعلق الأمر بأمنها القومي وحقوقها، فإن الهدوء المصري ليس تراجعًا، والصبر ليس ضعفًا، والدبلوماسية ليست غيابًا عن المشهد.