رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

أيام قليلة تفصلنا عن مؤتمر الحكومة المرتقب عقده في أكتوبر، تنفيذا لتوجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسي، ليكون كشف حساب مفتوحا أمام الرأي العام حول ما تحقق خلال السنوات الماضية، وما واجهته الدولة من تحديات، وما تستعد له في المرحلة المقبلة، لكن قيمة المؤتمر لن تكون بما سيعرض من أرقام أو مشروعات، وإنما بما يمكن أن يفتحه من مساحة حقيقية للمكاشفة والحوار حول الملفات الاقتصادية والاجتماعية التي تمس حياة المواطنين، المواطن يريد أن يعرف ماذا تغير، ولماذا اتخذت الدولة بعض القرارات، وما الذي تحقق منها، ومتى يمكن أن يلمس أثرها في حياته وأسرته؟.

 

هذه الأسئلة موجودة في الشارع، والرد عليها بصورة مباشرة وواضحة هو جزء من إدارة الملفات العامة، وليس مجرد مهمة إعلامية، وهنا تصبح المكاشفة أكثر من مجرد عرض للإنجازات؛ تصبح فرصة لأن تضع الحكومة الحقائق أمام الناس، وتستمع إلى أسئلتهم وشواغلهم، ثم تحول هذا الحوار إلى أولويات واضحة وبرامج محددة وقرارات يمكن متابعتها وقياس نتائجها

 

خلال السنوات الماضية شهدت مصر حجما كبيرا من العمل في البنية الأساسية والطاقة والنقل والصناعة والخدمات، إلى جانب برامج الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، لكن المواطن ينظر إلى هذه الملفات من زاوية مختلفة؛ فهو يريد أن يعرف كيف ينعكس هذا كله على حياته، الطريق بالنسبة له ليس مجرد طريق جديد، والمصنع ليس مجرد مشروع، والاستثمار ليس مجرد رقم في تقرير، وإنما السؤال في النهاية: هل هناك فرصة عمل جديدة؟ هل تحسنت الخدمة؟ هل أصبحت حركة الاقتصاد أكثر قدرة على خلق فرص وتحسين الدخل؟

 

وهذا يقودنا إلى السؤال الأهم في المرحلة المقبلة: كيف تتحول نتائج الإصلاح الاقتصادي إلى تحسن ملموس في مستوى معيشة المواطن؟ نجاح أي برنامج اقتصادي لا يقاس فقط بمؤشرات النمو أو حجم الاستثمارات، وإنما أيضا بقدرته على زيادة الإنتاج، وخلق فرص العمل، ودعم القطاع الخاص، وتحسين الخدمات، ورفع قدرة الدولة على توجيه مواردها إلى الأولويات التي يحتاج إليها المجتمع.

 

من المهم ألا نتعامل مع المكاشفة باعتبارها عرضا للنجاحات فقط، المكاشفة الحقيقية تعني أن نتحدث عن التحديات أيضا، وأن يعرف المواطن لماذا واجه الاقتصاد بعض الضغوط، وما الإجراءات التي اتخذت للتعامل معها، وما البدائل المتاحة، وما المدى الزمني المطلوب حتى تظهر نتائج بعض السياسات، المواطن يستطيع أن يتفهم الظروف الصعبة عندما يفهم أسبابها، ويعرف إلى أين يقود المسار الذي تسير فيه الدولة.

 

وهنا أعتقد أن ملف تحسين مستوى المعيشة يجب أن يكون حاضرا بقوة في نقاشات المؤتمر، ليس باعتباره عنوانا عاما، ولكن من خلال مؤشرات واضحة يمكن قياسها ومتابعتها: فرص العمل، ومستوى الدخل، وجودة الخدمات، ودعم الفئات الأكثر احتياجا، وقدرة الاقتصاد على زيادة الإنتاج والتصدير، المواطن يريد أن يرى العلاقة بين ما تنفذه الدولة اليوم وما سيصل إليه غدا، وهذه العلاقة تحتاج إلى شرح بسيط ومباشر.

 

إن مشاركة الخبراء والأكاديميين والقطاع الخاص والمجتمع المدني وممثلي مختلف الأطراف يمكن أن تضيف إلى النقاش، لأن كل طرف ينظر إلى المشكلات من زاوية مختلفة، وما يراه صانع القرار من خلال البيانات قد يراه صاحب المصنع من خلال تكلفة الإنتاج، ويراه العامل من خلال فرصة العمل، ويراه المواطن من خلال مستوى الخدمة أو الدخل، والاستماع إلى هذه الخبرات لا يعني اختلافا مع الدولة، وإنما يساعد على بناء صورة أكثر اكتمالا عند تحديد الأولويات.

لكن الأهم من كل ذلك هو ما سيحدث بعد انتهاء المؤتمر، الحوار قيمته في نتائجه، وليس في عدد ساعات النقاش، إذا انتهت الجلسات إلى توصيات محددة، وتكليفات واضحة، وبرامج لها جداول زمنية ومؤشرات قياس، يصبح المؤتمر نقطة بداية لمرحلة جديدة من العمل، أما إذا ظلت المخرجات في إطار العناوين العامة، فلن يشعر المواطن بأن الأسئلة التي طرحها تحولت إلى مسار عملي.

 

وهناك جانب آخر لا يقل أهمية، وهو استمرار التواصل مع الرأي العام بعد المؤتمر، نحن نعيش في بيئة معلوماتية شديدة السرعة، وأي غياب للمعلومة يترك مساحة للتفسيرات والشائعات، لذلك فإن تقديم المعلومات في توقيتها، والرد على الأسئلة، وشرح أسباب القرارات ونتائجها، أصبح جزءا من إدارة الدولة لعلاقتها بالمجتمع.

أتصور أن المواطن لا ينتظر من مؤتمر أكتوبر أن يسمع أن كل شيء أصبح مثاليا، فهذا ليس المطلوب، ما يريده هو صورة حقيقية: ما الذي تحقق، وما الذي لم يتحقق، وما أسباب ذلك، وما الذي ستفعله الدولة خلال الفترة المقبلة، هذه الصراحة هي التي تجعل المواطن قادرا على فهم المشهد، وتمنحه القدرة على تقييم ما يسمعه بعيدًا عن المبالغة أو التشكيك.

مصر أمام مرحلة تحتاج إلى ترتيب الأولويات أكثر من حاجتها إلى زيادة العناوين، لدينا ملفات اقتصادية واجتماعية كثيرة، لكن المهم هو تحديد ما يحتاج إلى تدخل عاجل، وما يمكن إنجازه على المدى المتوسط، وما يتطلب وقتا أطول، والأهم أن يعرف المواطن أين يقف كل ملف، وما الذي يمكن أن يتوقعه منه.

لهذا أرى أن قيمة مؤتمر أكتوبر ستكون في قدرته على الانتقال من عرض ما حدث إلى الاتفاق على ما سيحدث، أن تجلس الحكومة مع الخبراء والمجتمع، وتستمع إلى الأسئلة الحقيقية، ثم تخرج بخريطة عمل واضحة يمكن متابعتها ومراجعتها، في هذه الحالة يصبح المؤتمر أكثر من مناسبة سياسية أو إعلامية؛ يصبح أداة لتحسين صناعة القرار، وفتح مساحة أوسع للثقة بين الدولة والمواطن.

المواطن لا يريد خطابا مثاليا، وإنما يريد الحقيقة كما هي، يريد أن يعرف أين وصلنا، وما الذي ينتظرنا، وما الذي يمكن للدولة أن تفعله، وما الذي يحتاج إلى مشاركة المجتمع نفسه، وهذه هي المكاشفة التي نحتاج إليها: أن نتحدث عن الإنجاز دون مبالغة، وعن التحديات دون تهويل، وعن المستقبل بخطة واضحة يمكن للناس أن يروا نتائجها ويحاسبوا عليها.

الدولة القوية هي التي لا تخجل من أن تقف أمام شعبها لتقول: هذا ما فعلت، وهذا ما أخطط له، والشعب الواعي هو الذي يحتضن دولته وبين هذا وذاك، تظل الحقيقة هي الجسر، والثقة هي الوقود، والمستقبل هو المعركة التي تستحق أن نتآخى ونتوحد جميعا من أجلها.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء