مجدي شاكر: لا يمكن اختزال الهوية المصرية في مؤتمر وتوصيات مكتوبة| خاص
قال مجدي شاكر، كبير الأثريين بوزارة السياحة والآثار، إن مؤتمر الهوية الذي عقد مؤخرًا كان خطوة مهمة في طرح قضية الهوية، لكنه يرى أن المشكلة الأساسية تكمن في كيفية تحويل ما يُطرح في المؤتمرات إلى أفعال وخطوات عملية على أرض الواقع.
وأوضح شاكر في تصريحات خاصة لـ "إيجبتك" ، أن مناقشة الهوية لا ينبغي أن تظل محصورة في إطار مؤتمر يضم عددًا من الشخصيات والمسؤولين، مشيرًا إلى أن الأمر يحتاج إلى مشاركة المتخصصين في مختلف المجالات المرتبطة بالهوية المصرية، سواء التاريخ أو الآثار أو الأزياء أو اللغة أو العادات والتقاليد أو التراث.
وأضاف أن الحفاظ على الهوية المصرية وتعزيزها لدى الأجيال الجديدة "موضوع كبير جدًا" لا يمكن اختزاله في مؤتمر يتحدث خلاله كل شخص لبضع دقائق، مؤكدًا أن المطلوب هو وجود مشروع متكامل وآليات واضحة لتنفيذ ما يتم التوصل إليه.
وأشار كبير الأثريين إلى أهمية إعادة إحياء تجربة «مكتبة الأسرة»، التي كانت تصدر كتبًا في مجالات متعددة، بينها الدين والتاريخ والسياسة وغيرها، وبأسعار مناسبة، موضحًا أن هذه الكتب كانت موجودة في كثير من البيوت المصرية، وكانت عملية اختيارها تتم بعناية.
وتساءل عن دور الثقافة في الوقت الحالي، قائلًا إن مصر، بحجمها الثقافي والتاريخي، تحتاج إلى وجود وزارة للثقافة تضطلع بدور أساسي في الحفاظ على الهوية الوطنية، إلى جانب إعادة تفعيل المؤسسات والبرامج الثقافية التي كانت تؤدي هذا الدور.
ولفت إلى أهمية وجود آليات واضحة في مجالات الثقافة والجوائز والترجمة والقراءة، مؤكدًا أن الحفاظ على الهوية الوطنية والثقافة المصرية وتعزيزها لدى الأجيال القادمة لا يمكن أن يتحقق من خلال المؤتمرات وحدها.
وشدد شاكر على ضرورة أن يكون مؤتمر الهوية شاملًا، وأن يضم متخصصين لديهم خبرة حقيقية في موضوع الهوية، وليس الاقتصار على المسؤولين أو الشخصيات العامة، موضحًا أن الشباب أيضًا يجب أن يكون لهم دور أساسي في هذه المناقشات.
وقال إن الهوية المصرية لا تتعلق بالتاريخ فقط، وإنما تمتد إلى الأزياء والموسيقى والفنون والسينما والدراما والتعليم واللغة والعادات والتقاليد، معتبرًا أن هناك تغيرات واضحة طرأت على هذه المجالات خلال السنوات الأخيرة.
وأشار إلى أن مصر كانت تتميز بهوية خاصة في مجال الأزياء، موضحًا أن لكل منطقة ومحافظة مصرية سمات مميزة في الملابس والعادات، كما أن الزي كان يمكن أن يكشف في بعض الأحيان عن المنطقة التي ينتمي إليها الشخص.
وأضاف أن الهوية المصرية تظهر كذلك في الموسيقى والفنون، منتقدًا ما وصفه بغياب الإنتاج الفني الذي يعبر عن الشخصية المصرية، ومشيرًا إلى أن مصر كانت تاريخيًا من الدول المنتجة للسينما والدراما والأغنية العربية.
وأكد ضرورة أن يكون للدولة دور في دعم الإنتاج الفني والثقافي الذي يحافظ على الهوية، موضحًا أن الدولة كانت في فترات سابقة تشارك في الإنتاج الضخم، بينما تراجع هذا الدور خلال السنوات الأخيرة.
ولفت شاكر إلى أهمية إعادة النظر في الأعمال الدرامية والتاريخية التي تتناول تاريخ مصر، مؤكدًا ضرورة عدم اختزال التاريخ المصري في فترة زمنية واحدة، وإنما تقديم أعمال تتناول مختلف المراحل التاريخية، بدءًا من عصور مصر القديمة وما تلاها من مراحل.
وأوضح أن التعليم يمثل أحد العناصر الأساسية في الحفاظ على الهوية، مشيرًا إلى تراجع الاهتمام ببعض الأنشطة الفنية في المدارس، ووجود أخطاء في بعض المواد التعليمية المتعلقة بالتاريخ والفن، ما يستدعي مراجعة المناهج والتأكد من دقة المعلومات المقدمة للطلاب.
وأشار إلى أن الحفاظ على الهوية يحتاج إلى مجموعة كبيرة من الإجراءات، تشمل تطوير برامج التعليم، وإعادة النظر في المحتوى الإعلامي، ودعم القراءة، وإحياء دور المؤسسات الثقافية، إلى جانب الاهتمام بالفنون والتراث.
وأكد أن الإعلام له دور أساسي في تشكيل وعي الأجيال الجديدة، داعيًا إلى تقديم وجوه إعلامية تحظى بالقبول والثقة، وتستطيع مخاطبة الشباب والتأثير فيهم بصورة إيجابية.
كما شدد على ضرورة إعادة الاهتمام بالقراءة وإحياء «مكتبة الأسرة» بأي صيغة مناسبة، وربط الأجيال الجديدة بالكتاب، إلى جانب تعزيز دور المؤسسات الدينية والاجتماعية في التواصل مع الشباب.
وأشار شاكر إلى أن الهوية الدينية والثقافية تحتاج أيضًا إلى مساحات حقيقية للتفاعل مع الشباب، موضحًا أن المؤسسات المختلفة يجب أن تقدم أنشطة وهوايات وبرامج تجعل الشباب أكثر ارتباطًا بالمجتمع ومؤسساته.
ولفت إلى أن اللغة والعادات والتقاليد تأثرت كذلك بالتغيرات الاجتماعية والثقافية، معتبرًا أن الأعمال الفنية والإعلامية لها تأثير كبير في تشكيل السلوك والذوق العام، ومن ثم فإن الحفاظ على الهوية يتطلب مراجعة ما يتم تقديمه للجمهور.
وقال إن المشكلة لا تتعلق بالدراما والسينما وحدهما، وإنما تمتد إلى الشارع المصري نفسه، موضحًا أن شكل الشوارع والمباني ووسائل النقل والبيئة المحيطة كلها عناصر تشكل جزءًا من الهوية.
وأكد أن الهوية المصرية تعرضت لتغيرات كبيرة خلال السنوات الأخيرة، مشيرًا إلى أن الأمر أصبح ظاهرًا في شكل الشوارع، والعادات، واللغة، والفن، والموسيقى، والعلاقات الاجتماعية، وغيرها من جوانب الحياة اليومية.
وشدد كبير الأثريين على ضرورة رقمنة التراث المصري المادي وغير المادي، بما يشمل التراث الغنائي والعادات والتقاليد والأمثال والشعر وغيرها، مؤكدًا أن مصر تمتلك تراثًا متنوعًا ومميزًا في مختلف محافظاتها.
وأوضح أن الحفاظ على هذا التراث يحتاج إلى مشروع قومي طويل المدى، وليس مجرد مؤتمر ينتهي بانتهاء جلساته، مقترحًا أن تكون هناك خطة تمتد لسنوات بهدف الحفاظ على الهوية المصرية وتعزيزها لدى الأجيال الجديدة.
وأضاف أن الدولة يجب أن يكون لها دور أكبر في إنتاج الدراما والسينما والموسيقى، وإعادة تنظيم الحفلات والفعاليات الثقافية في مختلف المحافظات، إلى جانب تفعيل دور دار الأوبرا والمتاحف والمؤسسات الثقافية في نشر التراث والهوية.
وأشار إلى أهمية إعادة إقامة الفعاليات الفنية والثقافية في المحافظات، وربطها بالمناسبات الوطنية والأعياد القومية لكل محافظة، بما يسمح للشباب بالتعرف إلى فنون وتراث مناطقهم.
وشدد شاكر على أن الحفاظ على الهوية يجب أن يكون مسؤولية مشتركة تبدأ من أعلى مستوى في الدولة وتمتد إلى مختلف المؤسسات والأفراد، مؤكدًا أن الأمر يحتاج إلى تكاتف الجميع وليس إلى جهة واحدة فقط.
ولفت إلى أن الظروف الاقتصادية كان لها تأثير أيضًا على بعض مظاهر الحياة الاجتماعية التي كانت جزءًا من الهوية المصرية، مثل الزيارات والعزومات والسهر والتجمعات الأسرية، موضحًا أن الضغوط الاقتصادية جعلت كثيرًا من الناس أقل قدرة على الخروج والمشاركة في المناسبات الاجتماعية.
وأكد مجدي شاكر أن قضية الهوية المصرية أكبر من أن تُختزل في مؤتمر أو توصيات مكتوبة، مشددًا على ضرورة وجود آليات تنفيذ حقيقية حتى لا تجد الأجيال المقبلة نفسها بعيدة عن تاريخها وثقافتها وتراثها.
وقال إن المطلوب هو العودة إلى القراءة والفن والإعلام والتعليم والثقافة، وإعادة تفعيل دور الدولة في هذه المجالات، إلى جانب العمل على إنتاج محتوى مصري قادر على التعبير عن المجتمع وهويته.
واختتم شاكر بالتأكيد على ضرورة وجود رؤية واضحة لوزارة الثقافة والمؤسسات المعنية، وإعادة الاهتمام بالبرامج الثقافية والتعليمية والإعلامية التي تعزز الهوية المصرية، مشيرًا إلى أن استمرار الوضع الحالي دون تحرك جاد قد يؤدي إلى مزيد من التغير في ملامح المجتمع وهويته خلال السنوات المقبلة.





