عبدالله البلوشي: «عاملني بإبداعي ولا تعاملني بإعاقتي».. هذه رسالتي في عرض «أسرار»|حوار
عبدالله البلوشي: «عاملني بإبداعي ولا تعاملني بإعاقتي».. وهذه رسالتي في عرض «أسرار»|حوار
على هامش فعاليات الملتقى الدولي لفنون ذوي الإعاقة “أولادنا”، حضرت سلطنة عُمان من خلال فرقة “بالإعاقة نبدع”، التي قدمت على المسرح الصغير بدار الأوبرا المصرية عرضها المسرحي المبهر “أسرار”، في مشاركة حملت رسائل إنسانية وفنية حول الدمج وحق الأشخاص ذوي الإعاقة في المشاركة والإبداع.
العرض، الذي كتبه عبد الله البلوشي وأخرجه عيسى الصبحي، لم يكتفِ بتناول قضايا الأشخاص ذوي الإعاقة، بل حاول أن يضع الجمهور أمام أسئلة حقيقية تتعلق بنظرة المجتمع، وحق المرأة ذات الإعاقة في الزواج وتكوين الأسرة، وأهمية تهيئة المؤسسات الثقافية والفنية لتكون متاحة للجميع.
وبعد انتهاء العرض، كان لموقع "إيجبتك": هذا اللقاء مع الكاتب والممثل المسرحي عبد الله البلوشي، رئيس الفرقة، للحديث عن تفاصيل “أسرار”، والرسائل التي حملها العرض، وتحديات المشاركة في الملتقى، وكيف يمكن الانتقال من التعاطف مع الأشخاص ذوي الإعاقة إلى الإيمان الحقيقي بقدراتهم وإتاحة الفرصة لهم للإبداع والمشاركة وتفاصيل أخرى كثيرة تجدونها في الحوار التالي:
في البداية.. كيف تناول عرض “أسرار” قضايا ذوي الإعاقة؟
- حاولنا من خلال العرض أن نطرح عددًا من القضايا التي يعيشها الأشخاص ذوو الإعاقة في مجتمعاتنا، ومن بينها قضية الوصول الشامل.. ورسالتي ببساطة هي: “عاملني بإبداعي ولا تعاملني بإعاقتي”، إذا كنت ستوظفني، فاختبر قدراتي وأدائي، لكن لا تضعني في مكان لا أستطيع الوصول إليه بسبب عدم توافر التسهيلات المناسبة.
فلا يمكن أن تطلب من شخص يستخدم الكرسي المتحرك العمل في مكان لا توجد فيه وسائل مناسبة للحركة، أو تطلب من شخص أصم العمل في بيئة لا تتوافر فيها لغة الإشارة، أو من شخص كفيف العمل في مكان لا توجد به مسارات وإرشادات مناسبة؛ وهذه ليست مشكلة في قدرات الشخص، وإنما في البيئة المحيطة به.
تطرق العرض أيضًا إلى قضايا النساء ذوات الإعاقة.. لماذا؟
- لأن معاناة المرأة ذات الإعاقة في بعض المجتمعات العربية قد تكون أكثر تعقيدًا، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالزواج والاستقلال وتكوين الأسرة، وطرحنا هذه القضية بشكل جريء، لأن هناك أفكارًا اجتماعية ما زالت تنظر إلى المرأة ذات الإعاقة باعتبارها غير قادرة على الزواج أو بناء أسرة، فالصدمة الأكبر عندما تأتي هذه النظرة من داخل الأسرة نفسها، عندما تقول الأم لابنتها: “لا تحلمي بالزواج لأنك من ذوي الإعاقة”، فإن هذا الكلام يترك أثرًا كبيرًا عليها.
وهنا يطرح العرض سؤالًا مهمًا: إذا كانت الأسرة، وهي مصدر الأمان الأول، تنظر إلى ابنتها بهذه الطريقة، فكيف سيكون موقف المجتمع؟
كيف عبّر العرض عن هذه القضايا فنيًا.. وماذا عن توظيف لغة الإشارة؟
- عملنا أن يكون لكل شخصية عالمها الخاص وصراعاتها، وأن نكشف بعض الأسرار الموجودة داخل كل شخصية، كما استخدمنا عددًا من الرموز المسرحية، ومنها الكرسي المتحرك، الذي يصبح بالنسبة للشخص المستخدم له جزءًا أساسيًا من حياته.
كذلك طرحنا في العرض؛ سؤالًا حول العلاقة بين الإنسان والكرسي: هل الكرسي هو الذي يمتلك الشخص أم أن الشخص هو الذي يمتلكه؟ وفي إحدى اللحظات يبتعد الكرسي، لكن الشخصية تظل قوية، وهذه رسالة مهمة.. فالإنسان لا تختصره وسيلة مساعدة يستخدمها.
وماذا يحتاج ذوي القدرات الخاصة المؤسسات الثقافية والمسارح؟
- نحن نحتاج إلى أن تكون الأماكن الثقافية والفنية متاحة للجميع، وأن تتوافر فيها معايير السلامة والوصول الشامل، حتى يستطيع الشخص ذو الإعاقة أن يحضر كجمهور أو يشارك كفنان دون عوائق؛ وحتى المسرح نفسه يجب أن يراعي هذه المعايير، فأحيانًا يصل الشخص من ذوي الإعاقة إلى مدخل المسرح، ثم يواجه السلالم، فيضطر إلى أن يحمله شخص آخر.
نحتاج إلى تغيير طريقة النظر إلى الإعاقة، عندما يتقدم شخص لوظيفة، يجب أن يكون المعيار هو قدرته على أداء العمل، وليس إعاقته، اختبرني على الكمبيوتر، قيّم أدائي، وانظر إلى ما أستطيع أن أقدمه، لكن لا تجعلني أخوض اختبارًا إضافيًا بسبب وجود درج أو عدم وجود وسيلة وصول مناسبة؛ لذلك أعود دائمًا إلى الجملة التي أعتبرها خلاصة رسالتي: “عاملني بإبداعي ولا تعاملني بإعاقتي”.

هذه هي الطريقة التي يمكن من خلالها أن ننتقل من الحديث عن تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة إلى تمكينهم بالفعل، ومن التعاطف معهم إلى الإيمان الحقيقي بقدراتهم وإتاحة الفرصة لهم للمشاركة والإبداع.
وماذا عن توظيف لغة الإشارة داخل العرض؟
- حرصنا على أن تكون لغة الإشارة جزءًا من البناء المسرحي، وليس مجرد إضافة جانبية، هناك مشاهد يتم خلالها ترجمة الأغاني إلى لغة الإشارة، بما يسمح للجمهور بالتفاعل مع العمل بصورة مختلفة، ويؤكد أن فقدان السمع أو الكلام لا يعني فقدان القدرة على التعبير والتواصل، كما تناولنا عالم الكفيف، وفكرة أن البصيرة قد تكون أعمق من الرؤية بالعين. حاولنا أن نخلق أكثر من مستوى للصراع داخل العرض، بحيث تصل الرسالة إلى المتلقي من خلال الصورة والحركة والموسيقى والحوار..
هل كنت متوقع استقبال الجمهور المصري للعرض.. وكيف تأثرت شخصيًا برد فعل الجمهور؟
- بصراحة، لم أكن أتوقع هذا الحضور الكبير والتفاعل من الجمهور المصري، خصوصًا أن هناك عروضًا أخرى سبقتنا وكان الإقبال عليها متفاوتًا، لكن ما حدث أسعدني جدًا، فالجمهور المصري لا يجامل في التصفيق، وعندما يتفاعل بهذه الصورة فهذا يعني أن الرسالة وصلت إليه.
وانا أقول دائمًا إن الجمهور المصري لديه حس فني كبير، ويستطيع أن يتفاعل مع العمل عندما يشعر بصدق الفكرة، حتى إنني بكيت بعد العرض، وكانت الدموع تلقائية بسبب التفاعل.
وإحدى السيدات الكبيرات في السن قالت لي بعد العرض: “رسالتكم وصلت”، ثم طلبت منا أن نستمر في هذا النوع من الإبداع، فكانت هذه الكلمات مؤثرة جدًا بالنسبة لي، خصوصًا أنها كانت من إحدى الحاضرات من ذوي الإعاقة البصرية، و هذه اللحظة كانت دليلًا على أن الرسالة وصلت رغم كل التحديات التي واجهتنا أثناء التحضير.

هل واجه العرض تحديات قبل تقديمه في مصر؟
- واجهتنا تحديات مرتبطة بالمكان والبروفات، واضطررنا إلى تعديل جزء من الخطة الإخراجية بما يتناسب مع طبيعة المسرح والصوتيات؛ والعرض قدم للمرة الأولى في سلطنة عُمان خلال شهر ديسمبر الماضي، ضمن مهرجان الفرقة الحادي عشر، وكان تقديمه في مصر أول عرض دولي له.
ما الرسالة التي تريد توجيهها إلى الأشخاص ذوي الإعاقة؟
- رسالتي الأساسية هي أن يكون لهم دور حقيقي في المجتمع، والإعاقة لا يجب أن تكون سببًا للابتعاد عن الحياة أو المشاركة، لكن قبل أن يطلب الإنسان من المجتمع أن يؤمن بقدراته، عليه هو أولًا أن يؤمن بنفسه وبقدراته، ولا أريد أن ينظر الشخص إلى نفسه باعتباره ضعيفًا أو مسكينًا أو عاجزًا؛ و عليه أن يقول: أنا قادر؛ فالمجتمع بدأ يتغير، ونظرته إلى الأشخاص ذوي الإعاقة اليوم تختلف عن الماضي، لكن ما زالت هناك حاجة إلى مزيد من العمل والمشاركة وإظهار المواهب والقدرات.








