كيف بدأت مرحلة الحكم المصري البريطاني في السودان؟
في مثل هذا اليوم عام 1898، شهدت الخرطوم محطة مفصلية في تاريخ السودان، بعدما رفع الجيش المصري والبريطاني العلمين المصري والبريطاني فوق سراي الحاكم العام، عقب سقوط أم درمان وهزيمة قوات الدولة المهدية في معركة كرري، لتبدأ مرحلة جديدة من السيطرة المصرية البريطانية على السودان، قبل أن تتبلور رسميًا بتوقيع اتفاقية الحكم الثنائي في يناير 1899.
وجاء رفع العلمين بعد انتصار القوات المصرية والبريطانية بقيادة كتشنر على قوات الخليفة عبد الله التعايشي في معركة أم درمان يوم 2 سبتمبر 1898، ودخول الخرطوم، حيث رفع كتشنر العلمين فوق سراي الحاكم العام، في خطوة حملت دلالة سياسية إلى جانب أهميتها العسكرية، بعدما قررت بريطانيا أن يكون لها نصيب مباشر في إدارة السودان، رغم أن الحملة العسكرية جاءت في إطار استعادة الأراضي التي خرجت عن سيطرة الحكومة المصرية خلال الثورة المهدية.
لماذا رفعت بريطانيا علمها إلى جانب العلم المصري؟
كشف مشهد رفع العلمين عن تحول في الموقف البريطاني تجاه السودان، إذ كان الاعتقاد السائد لدى الخديو عباس حلمي الثاني وحكومته أن استعادة السودان من المهديين تتم لصالح مصر وحدها، دون مشاركة من أي قوة أخرى.
وبحسب ما أورده المؤرخ الدكتور محمد فؤاد شكري في كتابه «مصر والسودان - تاريخ وحدة وادي النيل في القرن التاسع عشر»، كان المصريون يرون أن استعادة الأقاليم السودانية تعني عودة السودان إلى الحكم المصري مجددًا، غير أن هذا الاعتقاد تبدد بعدما أبلغت الحكومة البريطانية الحكومة المصرية بحق إنجلترا في الاشتراك في السودان، مستندة إلى ما قدمته من أموال ورجال خلال الحملة العسكرية.
وجاء رفع كتشنر العلم الإنجليزي إلى جانب العلم المصري ليجسد هذا التحول عمليًا، ويؤكد أن بريطانيا لم تكن تنظر إلى الحملة باعتبارها مجرد عملية عسكرية لاستعادة الأراضي الخارجة عن السيطرة المصرية، وإنما باعتبارها مدخلًا للحصول على دور مباشر في إدارة السودان.
من رفع العلمين إلى اتفاقية الحكم الثنائي
لم يكن رفع العلمين في سبتمبر 1898 هو تاريخ بدء الحكم الثنائي بصورته الرسمية، إذ جرى توقيع اتفاقية الحكم الثنائي المصري البريطاني في 19 يناير 1899 بين الحكومة المصرية وبريطانيا، ومثّل الجانب المصري في الاتفاقية بطرس باشا غالي، بينما وقع عن الجانب البريطاني اللورد كرومر.
ونصت الاتفاقية على رفع العلمين المصري والبريطاني في السودان، كما جعلت السلطة العليا العسكرية والمدنية في يد الحاكم العام، الذي يعينه الخديوي بناءً على ترشيح الحكومة البريطانية، بينما كان مساعدو الحاكم العام من المصريين.
وبموجب هذا النظام، أصبح لبريطانيا نفوذ واسع ومباشر في إدارة شؤون السودان، رغم أن الإطار الرسمي حمل اسم «الحكم الثنائي»، بما يعكس المشاركة الاسمية لكل من مصر وبريطانيا في إدارة البلاد.
لماذا سمي النظام «الحكم الثنائي»؟
أطلق على النظام الجديد اسم «الحكم الثنائي المصري البريطاني» باعتبار أن إدارة السودان أصبحت مرتبطة رسميًا بمصر وبريطانيا معًا، إلا أن النفوذ الفعلي داخل أجهزة الإدارة كان يميل بصورة واضحة إلى الجانب البريطاني.
وتولى البريطانيون مواقع الحاكم العام وكبار المديرين والمفتشين، بينما شغل المصريون مواقع معاونين في الإدارة، وهو ما جعل المشاركة المصرية محدودة مقارنة بحجم النفوذ البريطاني في إدارة شؤون السودان.
واستمر نظام الحكم الثنائي لعقود، شهد خلالها السودان تحولات سياسية متلاحقة، وظهور حركات وطنية طالبت بإنهاء السيطرة الأجنبية والوصول إلى الاستقلال.
السودان بين مصر وبريطانيا حتى الاستقلال
خلال فترة الحكم الثنائي، ظل السودان أحد أبرز الملفات في العلاقة بين مصر وبريطانيا، كما ارتبطت قضيته بالحركة الوطنية المصرية وشعار وحدة وادي النيل، في الوقت الذي عملت فيه بريطانيا على ترسيخ نفوذها وإدارتها للشؤون السودانية.
وشهدت هذه الفترة استمرار الروابط السياسية والثقافية بين مصر والسودان، إلى جانب ارتباط قطاعات من المثقفين السودانيين بفكرة وحدة وادي النيل، في مقابل تنامي الحركة الوطنية السودانية المطالبة بإنهاء الحكم الأجنبي.
وانتهت مرحلة الحكم الثنائي مع استقلال السودان في 1 يناير 1956، عندما أُنزل العلم البريطاني ورُفع علم السودان فوق القصر الجمهوري في الخرطوم، إيذانًا بانتهاء تلك المرحلة وبدء عهد الاستقلال.





