فيضانات السودان إنذار لا يُحتمل تكراره.. من يتحمل الأضرار؟
لم تعد فيضانات السودان محل اهتمام من خبراء المياه والري في القارة الأفريقية فقط، وإنما امتد الاهتمام بها إلى المحللين السياسيين، الذي اعتبروا ما تعرض له الشعب السوداني على مدار الأيام القليلة الماضية، جرس إنذارٍ قوي لما يمكن أن تؤدي إليه الإدارة الأحادية لسد النهضة الإثيوبي، من أزمات تصل إلى حد الكوارث المؤثرة على إقليم الشرق الأوسط بأكمله.
وتشير فيضانات السودان الناجمة عن فتح بوابات سد النهضة الإثيوبي، دون تنسيق مع دولتي المصب، إلى صدق رؤية القاهرة الرافضة لإصرار إديس أبابا على الانفراد بإدارة السد، وعدم السماع للنصائح المصرية في هذا الشأن.
خسائر كارثية
وتؤكد الدكتورة وئام عثمان، أستاذة العلوم السياسية والإدارة العامة بجامعة بورسعيد، أن الفيضانات الأخيرة، التي ضربت السودان، لم تترك مكانًا في مأمن، بعدما طالت ولايات: الجزيرة، والنيل الأبيض، وسنار، مخلفة وراءها آلاف الأسر المشرّدة، ومئات المنازل المنهارة، فيما سُجِّلت أكثر من 2500 حالة نزوح، خلال يومين فقط، وانهيار 500 منزل كليًا أو جزئيًا، كما غُمرت آلاف الأفدنة الزراعية على ضفاف النيل الأزرق، ما أدى إلى تدمير محاصيل كاملة قبل الحصاد، ونفوق أعداد كبيرة من الماشية.
وأيضًا تسببت السيول في جرف الطرق والجسور، وعطلت جهود الإغاثة، فيما حذّرت الأمم المتحدة ومنظمات إنسانية أخرى من أزمة صحية متفاقمة بسبب المياه الراكدة، وسوء حالة الصرف الصحي، خاصة في المناطق التي تعاني أصلًا من النزاعات، مثل: دارفور، حيث تداخلت الكارثة الطبيعية مع أزمات النزوح القديمة.

سد الروصيرص.. بين المطرقة والسندان
وعلى بعد 15 كيلومترًا فقط من سد النهضة، يقف سد الروصيرص السوداني في قلب الأزمة، إذ تتحول أي تغيّرات مفاجئة في تصريف المياه من الجانب الإثيوبي إلى آثار مباشرة على تشغيل السد، والمنشآت المائية في السودان، وهو ما تسلط عليه الدكتورة وئام عثمان الضوء قائلة إن الملء الأول للسد الإثيوبي في عام 2020، تم دون إخطار مسبق مما أربك وزارة الري السودانية، وأضعف قدرتها على إدارة المنسوب، وأدى إلى اضطرابات تشغيلية في اختبار واضح لهشاشة منظومة الإنذار والتنسيق بين دول الحوض.
سياسة الغموض المتعمد.. ورقة ضغط أم أسلوب تفاوض؟
واتهمت وئام عثمان إثيوبيا باتباع سياسة الغموض المتعمد في إعلان بيانات الملء والتصريف للسد، معتبرة أن هذا الغموض حوّل النيل الأزرق من موردٍ للتعاون إلى أداة سياسية للنفوذ والضغط، إذ عندما تُدار الموارد المائية الإقليمية دون شفافية تتولد بيئة من الشك والريبة تضع دول المصب في حالة انتظار دائم للمفاجآت.
القانون الدولي ومسؤولية الأضرار
بدوره يرى الدكتور أحمد المفتي، خبير القانون الدولي، وعضو وفد السودان السابق في مفاوضات حوض النيل، أن ما جرى يتعارض مع قواعد القانون الدولي، وخاصة اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997، التي تنص على الإخطار المسبق وعدم التسبب بضررٍ ذي شأن، مؤكدًا أن الإجراءات الأحادية من جانب إثيوبيا تشكل أساسًا قانونيًا لمطالبة السودان بتعويضات عن الأضرار المادية والبشرية، كما حذر من أن استمرار النهج ذاته قد يؤدي إلى تكرار الكارثة كل عام.

ومتفقًا مع الرأيين السابقين، أشار الدكتور أحمد رفعت، أستاذ القانون الدولي، وسفير مصر السابق لدى اليونسكو، إلى أن مصر نجت من أضرار جسيمة بفضل الإجراءات الوقائية التي اتخذتها مسبقًا، وعلى رأسها توسعة مشروع توشكي، لاستيعاب كميات المياه الزائدة، ما عمل كصمام أمان الأراضي والمنشآت المصرية.

الملف يطرق أبواب مجلس الأمن
في غضون ذلك جاءت زيارة وزير الخارجية المصري، الدكتور بدر عبد العاطي، إلى السودان في توقيت حساس، حاملةً رسائل دعم سياسي وفني، ومحاولة لتوحيد الموقف قبل أي تحرك دولي جديد.
ويرى مراقبون أن الزيارة تعكس توجهًا مشتركًا نحو تدويل القضية إذا استمر التعنّت الإثيوبي، خصوصًا أن الخيارات المطروحة تتراوح بين تقديم شكوى إلى مجلس الأمن، أو اللجوء إلى التحكيم الدولي، مرورًا بتوثيق الأضرار وجمع الأدلة الفنية والقانونية، لكن الطريق إلى المحافل الدولية ليس سهلًا، إذ يتطلب إعداد ملفات فنية متكاملة، وبناء تحالفات دبلوماسية لإقناع المجتمع الدولي دون إثارة توترات جديدة في المنطقة، بحسب رؤية الخبراء.
بيانات مشتركة وغرفة عمليات
وبالعودة إلى الدكتورة وئام عثمان، أستاذة العلوم السياسية والإدارة العامة بجامعة بورسعيد، نجد أنها تطرح رؤية عملية لتخفيف حدة التوتر، بحيث تعتمد على إنشاء غرفة عمليات مشتركة بين مصر والسودان لتبادل البيانات حول معدلات المياه والتصريف بشكل فوري، وتنسيق المواقف التفاوضية قبل أي حوار جديد مع إثيوبيا، كما دعت إلى إعادة تفعيل المبادرة المصرية لتنمية حوض النيل كإطارٍ للتعاون، بدلًا من الصدام، فيما يؤكد كل من “رفعت” و"المفتي" ضرورة وضع آليات قانونية ملزمة للإخطار المسبق، وتحديد المسؤولية، وتعويض المتضررين، مع الإبقاء على القنوات الدبلوماسية مفتوحة لتجنب التصعيد.
إنذار لا يُحتمل تكراره
واختتم الدكتور أحمد رفعت بالقول، إن ما جرى في السودان ليس مجرد كارثة بيئية، بل تحذير عملي من مخاطر إدارة نهرٍ دولي دون تنسيق، مؤكدًا أن النيل الأزرق هو شريان حياة لدول مترابطة المصالح، وإدارته تتطلب مزيجًا من الشفافية الفنية، والالتزام القانوني، والتوافق السياسي وأن فشل الأطراف في بناء آليات مشتركة قد يحوّل النهر من عامل يربط الشعوب، إلى مصدر نزاع يهدد الاستقرار الإقليمي، متمّا بالقول: “ما حدث إنذار لا يُحتمل تكراره".