رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

أزمات الرواتب وغياب التأمين وراء هروب البعثات الرياضية والأبطال الأولمبيين

 هروب البعثات الرياضية
هروب البعثات الرياضية والأبطال الأولمبيين

تشهد الرياضة المصرية أزمة هيكلية متكررة أعادتها إلى واجهة الأحداث مؤخراً واقعة هروب بطل المصارعة محمد الشامي من بعثة المنتخب أثناء رحلة الترانزيت في العاصمة الإيطالية روما، قادمًا من دورة ألعاب البحر المتوسط في تارانتو. هذه الواقعة لم تكن حادثاً فردياً عابراً، بل شكلت حلقة جديدة في سلسلة طويلة من نزيف المواهب الرياضية في الألعاب الفردية، وتحديداً في لعبة المصارعة التي فقدت 9 من أبرز أبطالها خلال السنوات التسع الماضية، في ظل دوافع متداخلة تتراوح بين الضغوط المالية، وغياب الرعاية، والخوف من تأمين المستقبل بعد الاعتزال.

جذور الأزمة ودوافع الهروب

تتجاوز أسباب مغادرة الرياضيين للبعثات الرسمية مجرد "رغبة في الهروب"، لتلامس أزمات عميقة تعاني منها المنظومة الرياضية للألعاب الفردية مقارنة بكرة القدم؛ فبينما تحظى كرة القدم بدعاية وعقود ضخمة، يعتمد لاعبو المصارعة على رواتب شهرية زهيدة – كشف عنها بعض اللاعبين ممن شاركوا في أولمبياد باريس برواتب لا تتجاوز 9 آلاف جنيه – وهي مبالغ تقف عاجزة أمام تلبية أبسط متطلبات الحياة المعيشية للأسرة واحتياجات التدريب الرياضي الشاق.

إلى جانب العامل المادي، يبرز "هاجس المستقبل" كأحد أهم محركات هذه القرارات؛ إذ يواجه الرياضي بعد سنوات طويلة من التضحيات والتدريب منذ الطفولة مستتقبلاً غامضاً عند بلوغ سن الاعتزال، في ظل غياب برامج تأهيل حقيقية، أو وظائف مضمونة، أو مظلة تأمينية كافية ضد الإصابات التي قد تنهي مسيرته الرياضية في لحظات. 

كما تلعب الخلافات الإدارية مع الاتحادات الرياضية دوراً إضافياً في دفع بعض اللاعبين لاتخاذ مسارات بديلة خارج البلاد، كما حدث سابقاً في حالات عدة.

خريطة الهروب: 9 أبطال في 9 سنوات

تعكس قائمة اللاعبين الذين غادروا البلاد حجم الخسارة الكبيرة التي تكبدتها الرياضة المصرية، حيث نجح عدد منهم في تحقيق إنجازات عالمية وقارية تحت أعلام دول أخرى بعد رحلة شاقة من المعاناة:

طارق عبدالسلام (2016): غادر إلى بلغاريا ومر بظروف قاسية شملت العمل في المطاعم قبل أن يتوج بذهبية بطولة أوروبا للمصارعة عام 2017.

أحمد حسن «بوشا» (2017): غادر بعثة منتخب الشباب متجهاً إلى المجر وحصل على جنسيتها.

إبراهيم غانم «الونش» (2017): استقر في فرنسا وتوج ببطولة العالم للمصارعة الرومانية عام 2023 بوزن 72 كجم.

محمود فوزي (2018): اتجه إلى الولايات المتحدة الأمريكية إثر أزمات مع اتحاد المصارعة واستكمل مسيرته الرياضية هناك.

محمد عصام فتحي (2022): غادر بعثة منتخب الناشئين في إيطاليا واستقر بالولايات المتحدة.

أحمد فؤاد بغدودة (2023): غادر بعثة المنتخب في تونس متجهاً إلى فرنسا عقب تتويجه بفضية بطولة إفريقيا.

سيف شكري الكومي (2023): غادر معسكر المنتخب متجهاً إلى إيطاليا وسط ظروف معيشية صعبة.

زياد حجاج (أغسطس 2026): بطل إفريقيا تحت 20 عاماً، والذي غادر بعثة المنتخب في سلوفاكيا.

محمد الشامي (أغسطس 2026): أحدث الأسماء، والذي غادر بعثة البحر المتوسط خلال رحلة العودة عبر روما.

شهادات الأبطال ورؤية الخبراء
أثارت هذه المتوالية ردود فعل واسعة من رموز اللعبة وأبطالها الأولمبيين؛ حيث سلط البطل الأولمبي محمد كيشو الضوء على ضعف الدعم والرعاية بعد الإنجازات، بينما أكدت البطلة سمر حمزة على ضرورة علاج جذور الأزمة لا الاكتفاء بالمعالجات الأمنية أو تشديد الرقابة على جوازات السفر.

 من جانبه، شدد البطل الأولمبي كرم جابر على أهمية منح لعبة المصارعة الإمكانات والاهتمام اللائق بحجم تضحيات اللاعبين الذين يصنعون الميداليات على مدار سنوات طويلة من الشقاء.

يبقى السؤال الجوهري المطروح أمام وزارة الشباب والرياضة واللجنة الأولمبية واتحاد المصارعة: هل يقتصر الحل على إحكام الرقابة وملاحقة اللاعبين أمنياً، أم يتطلب الأمر إعادة هيكلة شاملة للمنظومة المالية والإدارية بما يضمن حياة كريمة ومستقبلًا آمناً للرياضيين يجعلهم يتمسكون بتمثيل وطنهم بلا تردد؟

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء