الفضة تقفز 10.3% عالميًا في أسبوع.. لماذا ارتفع سعرها في مصر 2% فقط؟
سجلت أسعار الفضة العالمية قفزة قوية خلال تعاملات الأسبوع الماضي، بعدما ارتفعت الأوقية بنحو 10.3% لتصل إلى نحو 64 دولارًا، في الوقت الذي لم تتجاوز فيه الزيادة في السوق المصرية 2%، ليصل سعر جرام الفضة عيار 999 إلى نحو 102 جنيه مقابل 100 جنيه في بداية الأسبوع.
ويكشف هذا التباين بين السوقين عن عامل رئيسي في آلية تسعير المعادن النفيسة محليًا، يتمثل في سعر صرف الدولار أمام الجنيه، إلى جانب السعر العالمي للأوقية والفروق السعرية المحلية. فارتفاع الفضة بالدولار لا ينتقل بالضرورة بالنسبة نفسها إلى السوق المصرية إذا تحرك سعر الصرف في الاتجاه المعاكس.
وقال الدكتور وليد فاروق، مدير «مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية»، إن سعر جرام الفضة عيار 925 سجل نحو 95 جنيهًا، بينما بلغ سعر جرام عيار 800 نحو 82 جنيهًا، في حين سجل الجنيه الفضة، الذي يزن 8 جرامات من عيار 925، نحو 760 جنيهًا.
600 دولار.. الفضة تستعيد زخمها في الأسواق العالمية
ارتفعت أوقية الفضة بنحو 6 دولارات خلال الأسبوع، من مستويات قرب 58 دولارًا إلى حوالي 64 دولارًا، في واحدة من أقوى موجات الصعود التي شهدها المعدن خلال الأسابيع الأخيرة.
وجاءت القفزة مدفوعة بمجموعة من العوامل، في مقدمتها إعادة تسعير الأسواق لتوقعات السياسة النقدية الأمريكية، بعد صدور بيانات اقتصادية أضعف من المتوقع، بالتزامن مع تراجع عوائد سندات الخزانة والدولار.
وتسارعت وتيرة الصعود في نهاية الأسبوع، عندما ارتفعت الفضة بنحو 3.6% لتسجل نحو 64 دولارًا للأوقية، وهو أعلى مستوى لها في نحو سبعة أسابيع، بالتزامن مع ارتفاع الذهب بأكثر من 2% إلى محيط 4400 دولار للأوقية.
لماذا لم تنتقل القفزة العالمية إلى السوق المصرية؟
يوضح «مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية» أن سعر الفضة في مصر لا يتحدد وفق حركة الأوقية العالمية وحدها، وإنما يخضع لمعادلة تجمع بين السعر العالمي للمعدن، وسعر صرف الدولار أمام الجنيه، والفارق السعري المحلي.
وخلال الأسبوع، تراجع سعر الدولار الرسمي من نحو 51.22 جنيه إلى 49.85 جنيه، بانخفاض قدره 1.37 جنيه، أو ما يقارب 2.7%.
وباحتساب القيمة النظرية لجرام الفضة عيار 999 عند سعر أوقية يبلغ 64 دولارًا وسعر صرف 49.85 جنيه للدولار، تصل القيمة إلى نحو 102.6 جنيه للجرام.
وبالمقارنة مع السعر المحلي البالغ نحو 102 جنيه، يتحرك سعر الفضة في السوق المصرية بالقرب من قيمته النظرية، بفارق محدود يبلغ نحو 0.6 جنيه للجرام، ما يشير إلى أن تراجع الدولار امتص جزءًا كبيرًا من أثر الارتفاع العالمي.
الدولار يعيد رسم خريطة مكاسب الفضة في مصر
تكشف حركة الأسبوع عن أهمية سعر الصرف في تحديد مدى انتقال تحركات الأسواق العالمية إلى السوق المصرية. فعندما ترتفع الأوقية بالدولار بينما يتراجع الدولار أمام الجنيه، يمكن أن تتقلص المكاسب المحلية بصورة واضحة.
وتظهر هذه العلاقة بصورة أكبر عند مقارنة الأسعار الحالية بمستويات بداية العام. فقد بدأت أوقية الفضة عام 2026 عند نحو 72 دولارًا، قبل أن تدخل في موجة صعود استثنائية دفعتها إلى تجاوز 121 دولارًا في 29 يناير، لكنها أصبحت حاليًا عند نحو 64 دولارًا، أي أقل بنحو 8 دولارات من مستوى بداية العام.
وفي السوق المصرية، بدأ سعر جرام الفضة عيار 999 العام عند نحو 125 جنيهًا، ثم ارتفع إلى حوالي 210 جنيهات في 29 يناير، قبل أن يتراجع إلى نحو 102 جنيه حاليًا، بانخفاض يقارب 18.4% عن بداية العام.
وتوضح هذه الفجوة اختلاف سرعة انتقال الأسعار العالمية إلى السوق المحلية، في ظل تأثيرات سعر الصرف والفروق السعرية وتوقيتات التسعير والسيولة في كل سوق.
بيانات الوظائف الأمريكية تقلب توقعات الفائدة
كان تقرير الوظائف الأمريكي أحد المحركات الرئيسية لموجة صعود الفضة خلال الأسبوع، بعدما جاءت البيانات أضعف بكثير من توقعات الأسواق.
وبدلًا من إضافة نحو 80 ألف وظيفة جديدة، أظهرت البيانات فقدان نحو 23 ألف وظيفة خلال يوليو، إلى جانب مراجعة بيانات مايو ويونيو بالخفض، بينما بلغ معدل البطالة 4.1%، وتراجع معدل المشاركة في قوة العمل إلى أدنى مستوياته في أكثر من خمس سنوات.
ودفعت هذه النتائج المستثمرين إلى إعادة تقييم مسار السياسة النقدية الأمريكية، مع تراجع الرهانات على استمرار التشدد النقدي وزيادة التوقعات بخفض أسعار الفائدة، وهو ما انعكس على عوائد السندات والدولار.
وتستفيد الفضة، مثل الذهب، عادة من انخفاض عوائد الأصول ذات الدخل الثابت وتراجع الدولار، إذ يؤدي انخفاض تكلفة الفرصة البديلة لحيازة المعادن التي لا تدر عائدًا دوريًا إلى زيادة جاذبيتها لدى المستثمرين.
التوترات الجيوسياسية تضيف دعمًا للمعادن النفيسة
ساهمت التطورات الجيوسياسية أيضًا في دعم المعادن النفيسة، مع ورود تقارير بشأن المفاوضات الأمريكية المتعلقة بإعادة فتح جزئي لمضيق هرمز وتخفيف حدة التوترات مع إيران.
وتؤثر التطورات الجيوسياسية في أسعار المعادن من أكثر من زاوية؛ فمن ناحية، تدفع حالة عدم اليقين المستثمرين إلى البحث عن أصول تحوطية، ومن ناحية أخرى، يمكن أن يؤدي انخفاض مخاطر إمدادات الطاقة إلى تهدئة بعض الضغوط التضخمية، بما يؤثر بدوره على توقعات الفائدة.
وبالنسبة للفضة، فإن العلاقة أكثر تعقيدًا من الذهب بسبب اعتمادها الكبير أيضًا على الطلب الصناعي، إلى جانب الطلب الاستثماري.
ارتفاع الأسعار يهدد جزءًا من الطلب الصناعي
في سوق الفضة، لا تأتي المخاطر من السياسة النقدية وحدها، إذ يمثل ارتفاع السعر نفسه تحديًا لاستمرار موجة الصعود، خاصة مع حساسية بعض القطاعات الصناعية لتكلفة المعدن.
وخفض استراتيجيو بنك «يو بي إس»، وايان جوردون ودومينيك شنايدر، تقديراتهم لعجز سوق الفضة العالمي، في ظل توقعات بتراجع الطلب من بعض القطاعات، خصوصًا الطاقة الشمسية والمجوهرات مع ارتفاع الأسعار.
كما خفض البنك تقديراته للطلب الاستثماري السنوي على الفضة من أكثر من 400 مليون أوقية إلى نحو 300 مليون أوقية، بالتزامن مع تراجع حيازات صناديق التداول المتخصصة في الفضة.
وتعكس هذه التطورات معادلة مزدوجة؛ فارتفاع الأسعار يجذب المستثمرين ويعزز جاذبية المعدن، لكنه في المقابل قد يدفع بعض المستهلكين والقطاعات الصناعية إلى تقليص الطلب أو البحث عن بدائل.
توقعات الفضة أقل من مستوياتها الحالية
أظهر استطلاع أجرته «رويترز» لمحللي السوق أن متوسط توقعات سعر الفضة خلال عام 2026 يبلغ نحو 71.9 دولار للأوقية، مقارنة بتقدير سابق عند حوالي 78 دولارًا.
ويعكس خفض التوقعات مخاوف من ضعف النشاط الصناعي وتراجع الطلب من قطاع الطاقة الشمسية مع ارتفاع الأسعار، في مقابل استمرار عوامل دعم طويلة الأجل، من بينها التوسع في الذكاء الاصطناعي والسيارات الكهربائية ومشروعات الطاقة المتجددة.
وبالتالي، لا تزال النظرة المستقبلية للفضة تحمل فرصًا للصعود، لكنها أصبحت أكثر ارتباطًا بقدرة الطلب الصناعي والاستثماري على استيعاب الأسعار المرتفعة.
3 عوامل تحدد اتجاه الفضة خلال الفترة المقبلة
يرى «مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية» أن مسار الفضة خلال الفترة المقبلة سيتحدد بصورة رئيسية من خلال أسعار الفائدة الأمريكية، وحركة الدولار، والتوازن بين العرض والطلب عالميًا.
وتظل السياسة النقدية الأمريكية العامل الأكثر تأثيرًا على المدى القصير، خصوصًا مع اقتراب اجتماع الاحتياطي الفيدرالي في سبتمبر، إذ يمكن لأي تغيير في توقعات أسعار الفائدة أن ينعكس سريعًا على عوائد السندات والدولار، وبالتالي على أسعار المعادن النفيسة.
أما في السوق المصرية، فتوضح حركة الأسبوع أن صعود الفضة العالمية بنسبة 10.3% لم يتحول إلى مكاسب مماثلة محليًا، بعدما ارتفع جرام الفضة عيار 999 بنسبة 2% فقط.
وبالتالي، ستظل حركة الفضة في مصر مرتبطة بثلاثة متغيرات رئيسية: سعر الأوقية عالميًا، وسعر الدولار أمام الجنيه، والفروق السعرية المحلية، إلى جانب طبيعة الطلب والسيولة في السوق، وهو ما يجعل تتبع المعدن محليًا أكثر تعقيدًا من مجرد مراقبة الأسعار العالمية.


