حين احترقت روما.. لماذا وجهت أصابع الاتهام إلى نيرون؟
في مثل هذا اليوم من شهر يوليو عام 64 ميلادية، اندلع حريق روما الكبير، أحد أشهر الكوارث في التاريخ القديم، بعدما التهمت النيران أجزاء واسعة من العاصمة الرومانية لعدة أيام، مخلفة دمارًا هائلًا، لتبدأ معها واحدة من أكثر القضايا التاريخية إثارة للجدل: هل كان الإمبراطور نيرون مسؤولًا عن الحريق، أم أن الاتهام الذي التصق باسمه عبر القرون لا يستند إلى أدلة قاطعة؟
كيف بدأ الحريق؟
وفقًا للمؤرخ الروماني تاسيتوس، اندلع الحريق في منطقة المتاجر المحيطة بـ"السيرك العظيم" (Circus Maximus)، وهي منطقة كانت تضم مباني خشبية مكتظة بالبضائع القابلة للاشتعال، الأمر الذي ساعد على انتشار النيران بسرعة هائلة.
واستمرت ألسنة اللهب في اجتياح المدينة لأكثر من أسبوع، وسط حالة من الفوضى والذعر، بينما كانت الشوارع الضيقة والمباني المتلاصقة تعيق محاولات السكان للهروب، وهو ما أدى إلى اتساع نطاق الدمار قبل السيطرة على الحريق.
هل كان نيرون وراء الحريق؟
ارتبط اسم الإمبراطور نيرون بالحريق منذ العصور القديمة، خاصة بعد أن اتهمه المؤرخ سويتونيوس بأنه تعمد إحراق المدينة ليعيد بناء روما وفق رؤيته الخاصة، بل وادعى أنه كان يشاهد النيران بإعجاب بينما تلتهم العاصمة.
إلا أن هذه الرواية ظلت محل تشكيك بين المؤرخين، لافتقارها إلى أدلة مباشرة، كما أن سويتونيوس كتب عنها بعد سنوات طويلة من وقوع الحادثة، وهو ما دفع العديد من الباحثين إلى إعادة النظر في مدى دقتها.
تاسيتوس يقدم رواية مختلفة
في المقابل، قدم تاسيتوس، الذي يعد أقرب المؤرخين زمنًا إلى الحريق، رواية أكثر تحفظًا، إذ أشار إلى انتشار شائعات تتهم نيرون، لكنه لم يجزم بصحتها، كما أوضح أن بعض الأشخاص الذين ادعوا تنفيذ أوامر إمبراطورية أثناء الحريق ربما كانوا مجرد انتهازيين استغلوا الفوضى للنهب أو لتحقيق مصالح شخصية.
ولهذا السبب، يعد كثير من الباحثين المعاصرين تاسيتوس المصدر الأكثر موثوقية عند دراسة تفاصيل الحريق، مقارنة بالروايات التي كُتبت بعده بسنوات.
الحرس الليلي
ومن أكثر الوقائع التي أثارت الجدل ما قام به أفراد الحرس الليلي الروماني (Vigiles Urbani)، إذ ذكرت بعض المصادر أنهم هدموا عددًا من المباني أثناء اشتعال النيران، وهو ما اعتبره سويتونيوس دليلًا على وجود خطة لتدمير المدينة.
لكن الدراسات الحديثة تقدم تفسيرًا مختلفًا، إذ يرى مؤرخون أن هدم المباني كان إجراءً معروفًا في مكافحة الحرائق، يهدف إلى إنشاء حواجز تمنع امتداد ألسنة اللهب إلى الأحياء المجاورة، وليس تنفيذًا لخطة إمبراطورية لإحراق روما.
لماذا بقي نيرون متهمًا؟
ورغم أن أغلب الدراسات الحديثة تميل إلى أن الحريق كان نتيجة طبيعية للظروف العمرانية والبيئية التي ساعدت على انتشاره، فإن صورة نيرون وهو يشاهد روما تحترق ظلت راسخة في الذاكرة الشعبية، حتى أصبحت واحدة من أشهر القصص المرتبطة بتاريخ الإمبراطورية الرومانية.
ويرى عدد من الباحثين أن هذه الصورة تأثرت بدرجة كبيرة بالدعاية السياسية التي أعقبت نهاية حكم نيرون، وبالروايات التي كتبها مؤرخون حملوا موقفًا سلبيًا تجاهه، وهو ما أسهم في ترسيخ الاتهام في الوعي التاريخي، رغم استمرار الجدل حول حقيقة ما جرى حتى اليوم.





