مكتبة الإسكندرية تناقش تحديات الثقافة المصرية في عصر الذكاء الاصطناعي
نظمت مكتبة الإسكندرية ندوة ثقافية بعنوان "مستقبل ثقافة مصر في عصر القلق"، وذلك ضمن فعاليات البرنامج الثقافي المصاحب للدورة الحادية والعشرين لمعرض مكتبة الإسكندرية الدولي للكتاب.
شهدت الندوة مشاركة الكاتب الصحفي الدكتور رامي جلال، خبير الحوكمة والسياسات العامة، وقدمها الدكتور ماهر صموئيل، استشاري طب نفسي.
في مستهل الندوة، أشاد الدكتور ماهر صموئيل بحجم الإقبال الجماهيري الكبير على فعاليات المعرض، معتبرًا ذلك دليلاً قاطعًا على مدى اهتمام المجتمع بالثقافة التي تشكل الأفكار وتستدعي عمق التفكير.
وأوضح صموئيل أن المجتمعات تعيش حاليًا عصرًا يشهد "اهتزاز الثوابت"، مما يفرض ضرورة البحث عن الثوابت الحقيقية في الحياة.
وأشار إلى أن الحاجة للثقافة تشتد اليوم لأننا نعيش في "عصر القلق"، مدفوعين بالانتقال المتسارع من عصر الأرشيف التقليدي إلى عصر الخوارزميات الرقمية.
من جانبه، تناول الدكتور رامي جلال التشابه بين عنوان كتابه وطرح عميد الأدب العربي طه حسين في كتابه الشهير «مستقبل الثقافة في مصر».
أوضح أن طه حسين انشغل بقضايا التعليم وإلحاق مصر بالعالم، في حين ينصب اهتمام كتابه الجديد على الهوية المصرية في سياقها الراهن.
واستعرض جلال مفهوم القلق الذي يطرحه في كتابه، محددًا أربعة أنواع رئيسية من القلق يواجهها المجتمع اليوم، وهي: قلق الهوية، وقلق اللغة، وقلق المؤسسات ما قبل الخوارزميات، وقلق الإنسان في تحديد القيم.
وأشار إلى أن آليات التأثير داخل المجتمع تغيرت جذريًا؛ فبعد أن كانت الكتب هي المحرك الأساسي، بات مقطع فيديو قصير (ريل) يتصدر "الترند" قادرًا على توجيه المجتمع، محذرًا من أن الذكاء الاصطناعي لا يزال بلا حوكمة حتى الآن، مما يضعنا في مرحلة انتقال حضاري حرجة.
وفي سياق متصل، حذر جلال من أخطر ما يواجه الثقافة المصرية اليوم وهو ما وصفه بـ «التآكل الثقافي الناعم»؛ وهو تآكل هادئ لا يحدث بضجيج أو صدام مباشر، بل يتسلل عبر المنصات الرقمية، والخوارزميات، وتراجع الوسيط الثقافي، وغياب الإدارة الواعية للمعنى.
فرق الدكتور رامي جلال بين مفهوم المثقف والمهتم بجمع المعلومات، مؤكدًا أن الثقافة هي منهج لفهم الحياة وتكوين الوعي، أما المعلومات العامة فهي مجرد مواد خام تحتاج إلى تحليل محتوى لتتحول إلى ثقافة حقيقية تشكل الوعي وفهم العالم.
وعن دور المؤسسات الثقافية، أكد جلال أن على المؤسسة الثقافية القيام بثلاث مهام رئيسية بالتوازي وهي: الترفيه، والتنشئة، والوعي، موضحا أن الدول ينحصر دورها في "تنظيم" الثقافة وليس "إنتاجها"، لأن الثقافة ملك للجماهير.
كما تطرق لأزمة قصور الثقافة في مصر، موضحًا أن المشكلة تكمن في فلسفة التعامل معها كمؤسسات غير هادفة للربح، بينما يتطلب تطويرها إيجاد عوائد مالية تدعم استمراريتها وتحديثها.
اختتم جلال بالإشارة إلى أن الدولة المصرية بحاجة ماسة إلى مشروع ثقافي متكامل يربط الثقافة بالتعليم، والصناعة، والسياسة الخارجية، مؤكدًا أن مصر دولة عظمى ثقافيًا ولابد أن تستعيد مكانتها المستقبلية، موضحا أنه رغم وجود خطر ثقافي حقيقي نتيجة تآكل القوى الناعمة، إلا أن لديه يقينًا تامًا بوعي مصر وقدرتها على التجاوز.
يذكر أن كتاب «مستقبل ثقافة مصر: عصر من القلق» يقدم قراءة نقدية وتاريخية لواقع الثقافة المصرية، ويمزج بين التحليل الفكري واستعراض العوامل السياسية والاجتماعية.
جدير بالذكر أن الدورة الحادية والعشرين من معرض مكتبة الإسكندرية الدولي للكتاب تقام في الفترة من 6 إلى 20 يوليو 2026، بالتعاون مع كل من: الهيئة المصرية العامة للكتاب، واتحادي الناشرين المصريين والعرب، وبرعاية بنك ABC، وتم اختيار المخرج الراحل داوود عبد السيد شخصية المعرض هذا العام، تقديرًا لإسهاماته المتميزة في تاريخ السينما المصرية، وتكريمًا لمسيرته الإبداعية الممتدة، ويشارك في هذه الدورة حوالي 86 دار نشر مصرية وعربية، إلى جانب تقديم 410 فعاليات ثقافية على مدار أيام المعرض، بمشاركة أكثر من ألف متحدث من مصر ومختلف دول العالم.





