رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

حكم تقاسم اشتراك خدمة الإنترنت بين الجيران.. دار الإفتاء توضح

خدمة الانترنت
خدمة الانترنت

تلقت دار الإفتاء المصرية، سؤالًا جاء فيه: ما حكم تقاسم اشتراك خدمة الإنترنت بين الجيران؟ فقد قمت بإدخال خدمة الإنترنت بمنزلي، وبعدها طلب مني بعض الجيران مدَّ سلك نت من جهازي إليهم، أو منحهم كلمة السر الخاصة بالواي فاي ليستخدموها في منزلهم بشكل دائم ومستقر، مقابل مبلغ مالي شهري يتم الاتفاق عليه، فما حكم ذلك في الشرع؟

حكم تقاسم اشتراك خدمة الإنترنت بين الجيران

وفي ردها، قالت دار الإفتاء، إن إشراك الجيران في خدمة النت أو منحهم كلمة السر الخاصة بالواي فاي ليستخدموها في منزلهم بشكل دائم ومستقر، نظير مبلغ مالي شهري يتم الاتفاق عليه، دون إذن كتابي من الشركة، ممنوع شرعًا؛ لأن فيه غش وتدليس، واعتداء على حق مالي للشركة، ونقض لمبدأ حُسن النية في تنفيذ العقود.

وشرحت الدار أن الشرع الشريف حث على قيم التكافل وحسن الجوار، وجعل كمال الإيمان مرهونًا بالإحسان إلى الجار؛ مستشهدة بما ورد عن أبي شُرَيح الخزاعي العدوي رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ» رواه البخاري ومسلم واللفظ له.

وأضافت أن التعاون على جلب المنافع وتقليل الأعباء المالية بين الجيران هو في أصله فعل ممدوح ومندوب إليه، وهو آكد متى كان الجار قريبًا؛ لاجتماع وصف الجيرة والقرابة معًا؛ مستندة إلى قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: 36].

ولفتت الدار إلى أن الإحسان مشروط بألا يكون ذلك على حساب حق الغير أو مخالفة للأنظمة والعقود المبرمة.

هل يجوز تقاسم اشتراك خدمة الإنترنت بين الجيران؟

وذكرت الإفتاء أن العلاقة التعاقدية بين "المشترك" و"شركات الاتصالات المتعددة" تندرج تحت باب عقود المعاوضات على المنافع، حيث يطلب العميل من الشركة تقديم خدمة الإنترنت له في منزله، بعد تحديد نطاقه في العقد، كما تنص هذه العقود صراحةً على أن الخدمة المقدمة للعميل شخصية.

وتابعت: وفي المسألة الواردة، يريد المتعاقد مع شركة الاتصالات مشاركة الانتفاع بخدمة الإنترنت مع جيرانه، دون موافقة الشركة المُزودة للخدمة، مقابل عوض مالي، وهذه المعاملة تشتمل على عدد من المحاذير الشرعية تجعل الإقدامَ على هذا التصرُّف ممنوعًا شرعًا، ومن ذلك:

أولًا: الإخلال بالعقد بين مقدم الخدمة والمستفيد ومخالفة الشرط التعاقدي؛ حيث تعطي عقود الاشتراك حق الانتفاع بالخدمة وفق الشروط التي وضعتها الشركة ووافق عليها العميل بمحض إرادته، وقد استقر العمل شرعًا وقانونًا على أن العقد شريعة المتعاقدين، وأن الشروط التي لا تخالف مقتضى العقد هي شروط ملزمة؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» رواه أبو داود.

وبمطالعة بنود العقود المنظمة لخدمة الإنترنت في الشركات المصرية، نجدها تنص صراحةً على أن الخدمة المقدمة للعميل شخصية وهو مسؤول عن كافة الاتصالات التي تتم من خلالها حتى في حالة الفقد والسرقة، ما لم يقم بإخطار الشركة لاتخاذ الإجراء المناسب، ولا يحق له التنازل عنها إلى الغير أو إعادة بيعها بدون موافقة كتابية من الشركة وسداد الرسوم المقررة ولا يعتد بأي تنازل يتم دون ذلك.

وبالتالي يُعد استيفاء المنفعة بغير الوصف المتفق عليه بالمشاركة بدلًا من الاستخدام الشخصي، نقضًا لما التزم به المشترك سابقًا، وهو مخالفة صريحة لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [سورة المائدة: 1].

والالتزام بالوفاء بهذه العقود مأمور به شرعًا على جهة التعبد والتمام؛ قال الإمام الطبري في "تفسيره" (9/ 447، ط. مؤسسة الرسالة): [فأتمُّوها بالوفاء والكمال والتمام منكم لله بما ألزمكم بها، ولمن عاقدتموه منكم، بما أوجبتموه له بها على أنفسكم، ولا تنكُثُوها فتنقضوها بعد توكيدها] اهـ.

والغاية الحسنة بمساعدة الجار يجب أن يكون من مِلْك الشخص أو فيما يملك التصرف فيه، والمنفعة هنا ليست ملكًا تامًّا للمشترك يبيح له تجزئتها أو تقاسم ثمنها مع الغير، فالغاية لا تبرر الوسيلة غير المشروعة.

ثانيًا: الاعتداء على الأموال الخاصة المملوكة للشركة، وأكلها بالباطل؛ فإن الشركة حددت القيمة المالية لانتفاع وحدة سكنية واحدة بالخدمة المقدمة، فإذا استفادت وحدتان أو أكثر بالخدمة مع دفع قيمة مالية واحدة، فقد ضاع على الشركة حقها المالي المشروع، فيجب حفظ الحقوق المالية للشركة؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29].

والباطل كما نقل الإمام فخر الدين الرَّازِي في "مفاتيح الغيب" (10/ 56، ط. دار إحياء التراث): [اسمٌ لكُلِّ ما لا يَحِلُّ في الشرع؛ كالربا، والغصب، والسرقة، والخيانة، وشهادة الزور، وأخذ المال باليمين الكاذبة، وَجَحْدِ الحق] اهـ.

ثالثًا: اشتمال التصرف على الغش والتدليس وكلاهما محرم شرعًا، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا، وَالْمَكْرُ وَالْخِدَاعُ فِي النَّارِ» رواه ابن حبان في "صحيحه"، والطَّبَرَاني في "الكبير"، وأبو نعيم في "الحلية".

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء