استطلاع إسرائيلي: 74% يؤيدون إقرار دستور جديد للبلاد
تشهد إسرائيل نقاشًا متجددًا حول مستقبل نظامها السياسي في ظل تصاعد الانقسام الداخلي وتراجع الثقة بالمؤسسات الرسمية، وهو ما أعاد طرح فكرة إقرار دستور ينظم العلاقة بين السلطات ويحد من الأزمات السياسية المتكررة.
وفي هذا السياق، كشف استطلاع رأي جديد عن تأييد واسع لفكرة الدستور، مقابل معرفة محدودة بمشروع "الدستور الرشيق"، الذي يطرح باعتباره صيغة توافقية تركز على تنظيم نظام الحكم دون الخوض في القضايا الخلافية.
استطلاع يكشف حجم القلق من الانقسام الداخلي
أظهر استطلاع أجراه معهد سياسات الشعب اليهودي (JPPI)، ونُشرت نتائجه عبر بودكاست لموقع "Ynet"، أن غالبية الإسرائيليين تنظر إلى الانقسام الداخلي باعتباره تهديدًا يفوق المخاطر الخارجية.
وبيّنت النتائج أن 79% من المشاركين وصفوا العام الماضي بأنه كان سيئًا على الصعيد الاجتماعي، فيما أعرب 49% عن تشاؤمهم تجاه المستقبل، بالتزامن مع تراجع الثقة بالمؤسسات الرسمية.
كما رأى نحو 60% أن خطر اندلاع حرب أهلية داخل إسرائيل أصبح احتمالًا واقعيًا، بينما اعتبر 52% أن إمكانية وقوع اغتيال سياسي جديد لشخصية بارزة تبقى مرتفعة.
تأييد واسع للدستور وجهل بمفهوم "الدستور الرشيق"
وأظهرت نتائج الاستطلاع أن 74% من الإسرائيليين يؤيدون إقرار دستور للدولة، في حين لم تتجاوز نسبة من يعرفون مفهوم "الدستور الرشيق" 8% فقط.
وأوضح الباحث شموئيل روزنر أن هذا التفاوت يعكس اقتناعًا عامًا بضرورة وجود دستور يحقق الاستقرار السياسي، بينما لا تزال تفاصيل المقترحات الدستورية غير معروفة لدى أغلبية المواطنين.
وأضاف أن فكرة "الدستور الرشيق" تقوم على وضع قواعد أساسية لإدارة النظام السياسي تحظى بإجماع واسع، مع تأجيل القضايا الأكثر إثارة للانقسام.
التوقيت لا يزال محل خلاف
وأشار الاستطلاع إلى أن 27% فقط يرون أن الوقت الحالي مناسب للشروع في إعداد دستور جديد، وهو ما أرجعه روزنر إلى استمرار تداعيات الحرب والأزمات السياسية، معتبرًا أن الأولوية لدى كثيرين لا تزال موجهة نحو الملفات الأمنية.
وأضاف أن الأزمة السياسية الإسرائيلية لا ترتبط بالحرب وحدها، بل تمتد إلى سنوات من عدم الاستقرار والانتخابات المتكررة التي بدأت منذ عام 2018.
ما المقصود بـ"الدستور الرشيق"؟
من جانبه، أوضح المستشار القانوني السابق للكنيست إيال ينون أن "الدستور الرشيق" يقتصر على تنظيم شكل الحكم والعلاقة بين السلطات، دون التطرق إلى الملفات الخلافية المتعلقة بالهوية أو الدين أو الحقوق المدنية.
وأشار إلى أن المشروع يهدف إلى استكمال الإطار الدستوري الذي تفتقده إسرائيل منذ تأسيسها، من خلال وضع قواعد مستقرة تمنع تغيير طبيعة النظام السياسي بأغلبية برلمانية مؤقتة.
دعوات لتقييد التعديلات الدستورية
وأكد ينون أن غياب ضوابط دستورية واضحة يسمح بإجراء تعديلات جوهرية بأغلبية بسيطة داخل الكنيست، وهو ما يجعل النظام السياسي عرضة لتقلبات الحكومات المتعاقبة.
وأضاف أن اعتماد قواعد دستورية أكثر صرامة، تشترط أغلبية واسعة لإجراء التعديلات الأساسية، من شأنه أن يعزز الاستقرار ويحمي مؤسسات الدولة.
إمكانية الوصول إلى توافقات
وأظهر الاستطلاع أن 49% فقط يعتقدون بإمكانية التوصل إلى تسويات سياسية بشأن القضايا الدستورية.
ورأى روزنر أن فرص الاتفاق تكون أكبر إذا اقتصر النقاش على القواعد الإجرائية وآليات عمل المؤسسات، بعيدًا عن القضايا الأيديولوجية الحساسة مثل الدين والدولة.
في المقابل، شدد ينون على أن تنظيم العلاقة بين السلطات القضائية والتشريعية سيمنح جميع التيارات السياسية، سواء اليمين أو اليسار، ضمانات متساوية ضد التغييرات المفاجئة التي قد تفرضها أغلبية مؤقتة.
ملفات خلافية تعرقل المشروع
وكشف الاستطلاع أن أبرز العقبات أمام أي توافق دستوري تتمثل في قضايا الدين والدولة، التي اعتبرها 76% من المشاركين التحدي الأكبر، تليها قضية المساواة للمواطنين العرب بنسبة 55%، ثم صلاحيات المحكمة العليا بنسبة 52%.
وأوضح ينون أن مشروع "الدستور الرشيق" يتجنب الخوض في هذه الملفات، ويركز أولًا على تنظيم قواعد النظام السياسي، على أمل معالجة القضايا الأكثر حساسية في مرحلة لاحقة.
موقف المجتمع العربي من المقترح
وأشار روزنر إلى أن قطاعًا واسعًا من المواطنين العرب يتحفظ على المشروع، خشية أن يقتصر الإصلاح على تنظيم مؤسسات الحكم دون تضمين ضمانات واضحة للمساواة والحقوق المدنية.
في المقابل، رأى ينون أن وجود دستور ينظم قواعد الانتخابات وصلاحيات السلطات سيمنح المجتمع العربي حماية غير مباشرة، من خلال منع إدخال تعديلات جوهرية على النظام الانتخابي أو شروط الترشح بأغلبية برلمانية عابرة.
القيادة أم الرأي العام؟
واختتم النقاش بتباين في الرؤى حول الجهة القادرة على دفع المشروع إلى الأمام، إذ اعتبر روزنر أن السياسيين لن يتحركوا إلا إذا لمسوا تأييدًا شعبيًا واسعًا.
أما ينون، فرأى أن المسؤولية تقع أولًا على عاتق القيادات السياسية، داعيًا إلى استغلال الظرف الحالي لإرساء قواعد دستورية مستقرة، بعد أكثر من سبعة عقود على قيام إسرائيل، بما يسهم في إنهاء حالة عدم الاستقرار السياسي المتواصلة.

