رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

دولار مستقر وتضخم يتراجع .. كيف ترى المؤسسات العالمية مستقبل اقتصاد مصر؟

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

بعد سنوات من الضغوط الحادة على سوق الصرف وارتفاعات غير مسبوقة في معدلات التضخم، بدأت المؤشرات الكلية للاقتصاد المصري ترسل إشارات أكثر إيجابية، مدعومة بحزمة واسعة من الإصلاحات الاقتصادية والمالية والنقدية التي نُفذت خلال العامين الماضيين.

ومع استقرار سعر صرف الدولار داخل الجهاز المصرفي، وعودة السيولة الدولارية، وتراجع معدلات التضخم بصورة ملحوظة، باتت المؤسسات الدولية تتحدث عن مرحلة جديدة يتجه فيها الاقتصاد المصري نحو التعافي التدريجي، مع توقعات بتحقيق معدلات نمو أعلى واستعادة ثقة المستثمرين.

وتجمع تقارير صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ووكالات التصنيف الائتماني الكبرى على أن مصر أصبحت في وضع اقتصادي أفضل مقارنة بما كانت عليه قبل عامين، رغم استمرار بعض التحديات المرتبطة بالديون والأوضاع الجيوسياسية.

صندوق النقد: النمو يتسارع والإصلاحات تؤتي ثمارها

رفع صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد المصري إلى نحو 4.7% خلال العام المالي 2025/2026، مقابل توقعات سابقة بلغت 4.5%، كما رجح تسارع النمو إلى 5.4% خلال العام المالي التالي.

ويرى الصندوق أن مرونة سعر الصرف، وتحسن تدفقات النقد الأجنبي، وعودة الاستثمارات الأجنبية، وزيادة مساهمة القطاع الخاص، تمثل أبرز المحركات الداعمة للنمو خلال المرحلة المقبلة.

كما أشار إلى أن استمرار تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي يمثل الضمانة الأساسية للحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي.

البنك الدولي: القطاع الخاص يقود المرحلة المقبلة

البنك الدولي بدوره يتوقع أن يسجل الاقتصاد المصري متوسط نمو يقترب من 4.6% خلال العامين الماليين 2025/2026 و2026/2027.

ويؤكد البنك أن انخفاض التضخم وتحسن القوة الشرائية وارتفاع الصادرات والسياحة والاستثمارات الخاصة ستشكل المحرك الرئيسي للنشاط الاقتصادي، خاصة مع التوسع في تطبيق وثيقة سياسة ملكية الدولة وزيادة مشاركة القطاع الخاص.

كما تشير تقديرات مؤسسات تنموية أخرى، بينها بنك التنمية الأفريقي، إلى إمكانية وصول النمو إلى نحو 4.8% إذا استمرت الإصلاحات الحالية بالوتيرة نفسها.

الدولار يستعيد الاستقرار

أحد أبرز التحولات التي رصدتها المؤسسات الدولية يتمثل في استقرار سوق الصرف بعد تحرير سعر الجنيه.

فبعد اختفاء الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية، أصبحت السيولة الدولارية أكثر توافراً داخل البنوك، مدعومة بارتفاع الاحتياطيات الدولية إلى مستويات تجاوزت 53 مليار دولار، وهو ما وفر غطاءً مريحاً لتمويل الواردات والوفاء بالالتزامات الخارجية.

وترى المؤسسات الدولية أن استمرار مرونة سعر الصرف يمثل أحد أهم عوامل الحفاظ على هذا الاستقرار، بما يسمح بامتصاص الصدمات الخارجية دون العودة إلى الاختلالات السابقة.

التضخم يواصل الانخفاض

بعد أن اقترب التضخم من مستويات تاريخية تجاوزت 38% خلال عام 2023، بدأت الضغوط السعرية في الانحسار تدريجياً.

وتتوقع المؤسسات الدولية أن يدور متوسط التضخم خلال عام 2026 بين 10% و13%، مع إمكانية الاقتراب تدريجياً من مستهدف البنك المركزي البالغ 7% ±2% بنهاية العام، رغم احتمالات حدوث ارتفاعات مؤقتة نتيجة تحريك أسعار الطاقة أو أي تطورات جيوسياسية.

ويرى محللون أن انخفاض التضخم سيمنح البنك المركزي مساحة أكبر لمواصلة دورة التيسير النقدي مستقبلاً، بما يدعم الاستثمار والقطاع الإنتاجي.

تحسن النظرة الائتمانية

انعكست التحسينات الاقتصادية أيضاً على تقييم المؤسسات الدولية للاقتصاد المصري.

فقد أبقت وكالتا ستاندرد آند بورز وفيتش على التصنيف الائتماني لمصر عند B مع نظرة مستقبلية مستقرة، بينما منحت موديز الاقتصاد المصري تصنيف Caa1 مع نظرة إيجابية، في إشارة إلى تحسن قدرة الدولة على إدارة التزاماتها المالية وخدمة الدين.

وتعتبر هذه التصنيفات رسالة إيجابية للمستثمرين الأجانب، خاصة في ظل استمرار الحكومة في تنفيذ برنامج الطروحات، وتحسين بيئة الاستثمار، والتوسع في الشراكة مع القطاع الخاص.

الدين العام.. التحدي الأكبر

ورغم التحسن الملحوظ، لا تزال المؤسسات الدولية تعتبر الدين العام وخدمة الدين أكبر التحديات التي تواجه الاقتصاد المصري.

ففي حين تراجعت نسبة الدين إلى الناتج المحلي تدريجياً لتقترب من 84%، فإن فوائد الدين ما زالت تستحوذ على جانب كبير من الإنفاق العام، وهو ما يدفع الحكومة إلى التركيز على تحقيق فوائض أولية مرتفعة، وإطالة آجال الاستحقاق، والتوسع في أدوات التمويل منخفضة التكلفة.

تحديات خارجية لا تزال قائمة

وتحذر المؤسسات الدولية من أن الاقتصاد المصري لا يزال معرضاً لتأثيرات المتغيرات العالمية، وعلى رأسها:

  • التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
  • اضطرابات حركة التجارة العالمية وقناة السويس.
  • تقلب أسعار النفط والسلع الأساسية.
  • تشدد الأوضاع المالية العالمية.
  • الحاجة إلى تسريع الإصلاحات الهيكلية.

كما تؤكد أن استدامة النمو تتطلب زيادة مساهمة القطاع الخاص، وتعزيز الصادرات الصناعية، وخلق فرص عمل كافية لاستيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل.

رؤية أكثر تفاؤلاً

في المجمل، تبدو نظرة المؤسسات الدولية للاقتصاد المصري أكثر تفاؤلاً مقارنة بالسنوات السابقة، فاستقرار الدولار، وتراجع التضخم، وتحسن الاحتياطيات الأجنبية، وزيادة تدفقات الاستثمار، وارتفاع توقعات النمو، كلها مؤشرات تعكس أن الاقتصاد بدأ يستعيد توازنه تدريجياً.

لكن هذه المؤسسات تؤكد في الوقت نفسه أن الحفاظ على هذا المسار يتطلب استمرار الإصلاحات الاقتصادية، وتسريع تنفيذ وثيقة سياسة ملكية الدولة، وتعميق دور القطاع الخاص، وتعزيز القدرة التنافسية للصناعة والصادرات، حتى يتحول التعافي الحالي إلى نمو مستدام طويل الأجل قادر على مواجهة الأزمات الخارجية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء