ذكرى افتتاح الأزهر الشريف.. كيف أصبح منارة للعلم في العالم الإسلامي
تحل ذكرى افتتاح الجامع الأزهر وإقامة أول صلاة فيه في 22 يونيو من كل عام، وهي المناسبة التي تمثل واحدة من أبرز المحطات الدينية والثقافية في تاريخ مصر والعالم الإسلامي، فقد تحول الأزهر منذ تأسيسه من مسجد تقام فيه الشعائر والعبادات إلى مؤسسة علمية ودينية كبرى، أصبحت مع مرور الزمن منارة للعلم والفكر الإسلامي المعتدل.
ويعد الجامع الأزهر من أهم وأشهر المساجد في العالم الإسلامي، حيث شُيّد خلال الفترة ما بين عامي 359 و361 هجريًا، الموافقين لعامي 970 و972 ميلاديًا، على يد القائد جوهر الصقلي بأمر من الخليفة الفاطمي المعز لدين الله، أول الخلفاء الفاطميين في مصر. وقد وضع حجر الأساس للجامع في الرابع عشر من شهر رمضان عام 359 هجريًا، بينما اكتمل بناؤه في شهر رمضان عام 361 هجريًا، لتقام فيه أول صلاة معلنة إيذانًا ببدء مرحلة جديدة في تاريخ الحياة الدينية والعلمية بمصر.
الأزهر في العصر الأيوبي
شهد الأزهر خلال العصر الأيوبي مرحلة مختلفة من تاريخه، حيث أغلقه صلاح الدين الأيوبي ومن جاء بعده من السلاطين الأيوبيين لفترة طويلة امتدت لما يقارب قرنًا من الزمان. ويرجع ذلك إلى ارتباط الأزهر في بداياته بنشر المذهب الإسماعيلي في العصر الفاطمي، الأمر الذي دفع الدولة الأيوبية إلى تقليص دوره وإزالة مكانته التعليمية والدينية في تلك الفترة، كما تم وقف الرواتب التي كانت تخصص للطلاب والعلماء، وتراجع النشاط العلمي داخله بصورة ملحوظة، ليفقد الأزهر جزءًا كبيرًا من مكانته التي اكتسبها منذ تأسيسه.
العصر الذهبي للأزهر في عهد المماليك
استعاد الأزهر مكانته مرة أخرى خلال العصر المملوكي، حيث شهد اهتمامًا واسعًا من الحكام الذين عملوا على تطويره وتوسيعه، حتى اعتبر المؤرخون تلك الفترة العصر الذهبي للأزهر الشريف.
وقام السلطان الظاهر بيبرس بإعادة إقامة الصلاة في الأزهر عام 1266 ميلاديًا بعد توقفها لفترة طويلة، كما أعاد صرف رواتب الطلاب والمدرسين، وبدأت عمليات واسعة لترميم المسجد وإصلاح ما تعرض له من إهمال. وشملت أعمال التطوير إصلاح الجدران والأسقف وتجديد الأروقة، إضافة إلى إنشاء منابر جديدة وتحسين البنية الأساسية للمسجد، وأصبح الأزهر في ذلك الوقت مركزًا مهمًا للتعليم الديني والعلوم المختلفة، وبدأت وفود الطلاب والعلماء تتوافد إليه من مختلف المناطق.
الأزهر خلال الحكم العثماني
مع دخول العثمانيين إلى مصر، استعاد الأزهر تدريجيًا دوره بوصفه المؤسسة التعليمية الأبرز في البلاد، متجاوزًا المدارس الأخرى التي كانت قائمة آنذاك، وشهدت هذه المرحلة العديد من أعمال التطوير والتجديد، حيث أضيفت أروقة جديدة لخدمة الطلاب الوافدين من مختلف الأقاليم، كما تم إنشاء أماكن مخصصة لفئات متعددة من الدارسين، ومن بينها رواق الطلاب المكفوفين الذي أضيف خلال القرن الثامن عشر، كما ساهم عدد من أمراء المماليك الذين استعادوا نفوذهم خلال الحكم العثماني في تنفيذ أعمال ترميم وإضافة مرافق جديدة للمسجد.
الأزهر ومواجهة الحملة الفرنسية
تعرض الأزهر لاختبار صعب خلال الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون بونابرت عام 1798، حيث حاول نابليون استمالة المصريين من خلال إظهار احترامه للدين الإسلامي ومؤسساته، وقام بتشكيل ديوان يضم عددًا من علماء الأزهر لإدارة شؤون القاهرة، إلا أن محاولاته لم تنجح في كسب تأييد المصريين بصورة كاملة.
وكان للأزهر دور بارز في إشعال المقاومة الشعبية ضد الاحتلال الفرنسي، حيث انطلقت منه شرارة الثورة ضد القوات الفرنسية في القاهرة. ومع تصاعد الأحداث تعرض الجامع الأزهر لأضرار كبيرة، إذ اقتحمته القوات الفرنسية ودنست حرمته، كما ألحقت خسائر واسعة بمحتوياته ومكتبته.
الأزهر في عهد محمد علي وما بعده
بعد خروج الفرنسيين من مصر وتولي محمد علي الحكم، بدأت مرحلة جديدة شهدت تغيرات كبيرة في نظام التعليم المصري. فقد سعى محمد علي إلى إنشاء نظام تعليمي حديث قائم على النمط الأوروبي، وأرسل البعثات العلمية إلى الخارج، مما أدى إلى تقليص الدور التعليمي التقليدي للأزهر لفترة من الزمن، ورغم ذلك استمر الأزهر في أداء دوره الديني والعلمي، وعادت إليه الرعاية الرسمية خلال فترات لاحقة، خاصة في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني الذي شهد تنفيذ أعمال تطوير وإعادة تنظيم للمسجد.
الأزهر قلعة للفكر الوسطي
ظل الأزهر عبر العقود مؤسسة دينية وعلمية كبرى تؤدي دورًا محوريًا في نشر الفكر الإسلامي الوسطي ومواجهة الأفكار المتطرفة، كما حافظ على مكانته بوصفه مرجعًا دينيًا مهمًا للمسلمين في مختلف أنحاء العالم.
ويضم الأزهر العديد من الأروقة والمراكز العلمية التي تستقبل الطلاب من مختلف الدول، بالإضافة إلى تنظيم الدروس واللقاءات العلمية والأنشطة الدينية التي يشارك فيها علماء الأزهر وأساتذة الجامعة.