رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

كيف أعاد التناسخ تشكيل السرد المصري؟.. قراءة في كتاب عايدي علي جمعة

الدكتور عايدي جمعة
الدكتور عايدي جمعة

يأتي كتاب «التناسخ والتجريب في الرواية المصرية» للدكتور عايدي علي جمعة، أستاذ الأدب والنقد بوصفه دراسة نقدية تسعى إلى استكشاف العلاقة بين فكرة التناسخ وتقنيات التجريب في الرواية المصرية الحديثة، من خلال قراءة أربع روايات هي: العنكبوت لمصطفى محمود، وحتى يطمئن قلبي للسيد حافظ، وبساتين البصرة لمنصورة عز الدين، وروح واحدة لأحمد عاطف درة. 

ويطرح الكتاب سؤالًا جوهريًا حول الكيفية التي تحولت بها فكرة التناسخ من معتقد فلسفي وروحي إلى أداة فنية أسهمت في تطوير البناء السردي للرواية المصرية.

ينطلق المؤلف من فرضية أن التناسخ ليس مجرد موضوع روائي، بل تقنية تسمح بتجاوز الحدود التقليدية للزمان والمكان والشخصية. 

وتعتبر الروايات محل الدراسة تعتمد على الانتقال بين عصور مختلفة، واستدعاء حيوات سابقة للشخصيات، الأمر الذي يخلق بنية سردية مرنة تتسم بالتعدد والحركية وكسر الخطية الزمنية، كما يلاحظ أن هذه الروايات تمنح القارئ دورًا فاعلًا في إعادة تركيب الأحداث وفهم العلاقات بين الشخصيات المتناسخة.

ويخصص الكتاب مساحة مهمة لرواية العنكبوت، التي يعدها العمل الأسبق في تناول التناسخ روائيًا في الأدب المصري الحديث، حيث صدرت عام 1965. 

ويبين أن مصطفى محمود تعامل مع الفكرة من منظور علمي وفلسفي، عبر شخصية الطبيب الذي يسعى لاكتشاف أسرار الوجود من خلال تجارب علمية تقوده إلى رؤية حيواته السابقة. 

ويرى المؤلف أن الرواية تنتمي إلى أدب البحث والمغامرة الفكرية أكثر من انتمائها إلى التجريب السردي الواسع الذي ستعرفه الروايات اللاحقة.

أما في رواية حتى يطمئن قلبي، فيتجلى التناسخ عبر شخصية "سهر" التي تعود بأشكال مختلفة عبر العصور، بينما تتداخل الرواية مع المسرح والشعر والسيناريو والكتابة التاريخية، بما يعكس نزعة تجريبية واضحة تكسر حدود النوع الأدبي الواحد، كذلك يؤكد الكتاب أن هذا التداخل بين الأجناس الأدبية يمثل أحد أبرز وجوه التجريب في الرواية المعاصرة.

ومن النتائج المهمة التي يخلص إليها الكتاب أن روايات التناسخ تعكس انشغالًا إنسانيًا عميقًا بقضايا الموت والخلود والهوية، كما تحمل رغبة في استعادة الأمل ومقاومة الفناء، خاصة في ظل التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها مصر خلال العقود الأخيرة،  فالتناسخ هنا يصبح وسيلة رمزية للتأكيد على استمرار الروح وقدرتها على تجاوز الأزمات والعودة في صور جديدة.

ويتميز الكتاب بلغة نقدية تجمع بين التحليل السردي والرؤية الثقافية، إذ لا يكتفي بتتبع التقنيات الفنية، بل يربطها بالسياقات التاريخية والاجتماعية التي أنتجت هذه الأعمال. 

ومن ثم يقدم إضافة الدكتور عايدي جمعة من خلال هذا الكتاب، مهمة إلى الدراسات النقدية المعنية بالرواية المصرية، ويفتح بابًا جديدًا للتفكير في علاقة الأدب بالأسئلة الوجودية الكبرى، وفي قدرة الرواية على ابتكار أشكال تعبيرية جديدة تستوعب تعقيدات الإنسان والعالم.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء