السفير رضا الطايفي: كتاب عبده مباشر الأخير أكثر من مذكرات
في حضرة شيخ الصحفيين عبده مباشر، شهدت مكتبة مصر العامة بالدقي حفل لتكريم الرجل ومناقشة حصاد حياته الذي يحمل عنوان “أعطيت الكلمة عمري.. 65 عامًا في بلاط صاحبة الجلالة.
مناقشة كتاب أعطيت الكلمة عمري
وقد افتتح الندوة وأدارها الكاتب الصحفي مصطفى عبد الله، رئيس تحرير “أخبار الأدب" الأسبق، مشيرًا إلى أن فكرة اللقاء جاءت تكريمًا لهذه القامة الصحفية التي تدخل عامها التسعين، وتجلس اليوم بين زملائها وتلامذتها لتقدم شهادة عمر ممتد داخل بلاط صاحبة الجلالة.
ورحب مصطفى عبد الله في كلمته بصاحب المكان، السفير رضا الطايفي، مدير صندوق مكتبات مصر العامة وعضو مجلس إدارتها، واصفًا إياه بالمثقف والدبلوماسي البارز الذي أسهم خلال مسيرته، ومنها فترة عمله سفيرًا لمصر في كوريا الجنوبية، في دعم التعاون الثقافي وتعزيز جسور التواصل بين مصر وبينها.
وقال إن تلك التجارب المهنية والدبلوماسية أسهمت في ترسيخ ثقة متبادلة أتاحت تنفيذ عدد من الأعمال الثقافية المهمة، موجهًا الشكر للمكتبة التي يرأسها السفير الريدي على استضافة هذا اللقاء، مؤكدًا أن السفير الطايفي، لديه حكمًا مهمًا بعد أن قرأ العمل كلمة كلمة، لما يحمله من توثيق دقيق لتجربة ممتدة في المهنة.
أكد الكاتب الصحفي مصطفى عبد الله أن هذه المذكرات تمثل إضافة للمكتبة الصحفية والتاريخية المصرية، لما تتضمنه من شهادات ووثائق تسجل جانبًا مهمًا من تاريخ المهنة وتطوراتها على مدار عقود.
كيف وثق عبده مباشر سيرته
من جانبه استهل السفير الطايفي، حديثه بالإشارة إلى القيمة الكبيرة للكاتب "عبده مباشر"، بوصفه أحد رموز الصحافة المصرية، متوقفًا عند إسهاماته في المشهدين السياسي والإعلامي، وما قدمه من متابعة دقيقة وتحليل للأحداث الوطنية الكبرى التي شهدتها مصر قبل ثورة 23 يوليو وما بعدها، معتبرًا أن الكتاب يقدم رؤية شاملة لتجربة صحفي جمع بين الممارسة المهنية والشهادة التاريخية.
وأوضح أن هذا الكتاب لا يمكن تصنيفه بسهولة، فهو ليس مجرد سيرة ذاتية خالصة، ولا كتابً تاريخي صرفً بل هو عمل يتداخل فيه الذاتي مع التوثيقي، ويعيد بناء الذاكرة عبر الوقائع والتجارب، ويضع القارئ أمام صورة مركبة للصحافة المصرية في سياقها السياسي والاجتماعي.
النشأة والتكوين في القرية
وتوقف الطيفي عند دلالة النشأة والتكوين، مشيرًا إلى أن تجربة الكاتب في القرى والمدن، واحتكاكه المبكر بالمكتبات العامة ومكتبات المدارس، أسهمت في تشكيل وعيه الثقافي، وأن القراءة المبكرة لعبت دورًا حاسمًا في بناء شخصيته الصحفية لاحقًا، حيث كان الكتاب حاضرًا بقوة في مسار حياته منذ الصغر.
وأضاف أن انخراط عبده مباشر في العمل العام لم يكن بعيدًا عن حس وطني مبكر، إذ شارك في مراحل مختلفة من عمره في سياقات نضالية ووطنية، وتأثر بأحداث كبرى مثل ما قبل وبعد حرب 1967، ثم حرب أكتوبر 1973، إلى جانب قربه من بعض دوائر العمل العسكري والإعلامي، وهو ما انعكس على كتاباته التي جمعت بين الخبرة الميدانية والرؤية التحليلية.
وأشار إلى أن الكاتب لم يكن مجرد صحفي تقليدي، بل امتلك حسًا ميدانيًا جعله قريبًا من مواقع الأحداث، سواء في العمل الصحفي أو في بعض المهام المرتبطة بالعمل الوطني والعمل العام، ما أكسبه خبرة واسعة انعكست على كتاباته وشهاداته.
كما تناول الطيفي علاقة الصحفي بالمشهد السياسي، موضحًا أن تجربة عبده مباشر امتدت لتلامس لحظات فارقة في تاريخ مصر الحديث، بما في ذلك التفاعلات السياسية الكبرى، والصراعات بين مراكز القرار، والتحولات التي شهدتها الدولة في مراحل مختلفة، وهو ما جعل شهادته أقرب إلى وثيقة حية لعصر كامل.
تفاصيل الكتاب
وتطرق إلى عدد من الوقائع التي وردت في الكتاب، ومنها مشاهد من المظاهرات والاحتجاجات السياسية، وما صاحبها من تحولات في الشارع المصري، وكيف تعامل الكاتب معها من موقعه الصحفي، سواء في التغطية أو المشاركة أو الرصد، مؤكدًا أن هذه الشهادات تكشف عن قربه الشديد من نبض المجتمع.
وأشار كذلك إلى أدواره في العمل الصحفي داخل مؤسسات كبرى مثل أخبار اليوم والأهرام، وعلاقته برموز الصحافة في مصر والعالم العربي، وكيف اقترب من مدارس صحفية مختلفة، وتأثر بتجارب مؤسسية بارزة أسهمت في تشكيل وعيه المهني، لافتا إلى أن الكتاب يتضمن محطات سياسية ودبلوماسية متعددة، من بينها زيارات واتصالات مع قادة وزعماء عرب، وتجارب في التغطيات الخارجية، وما ارتبط بذلك من مواقف إنسانية ومهنية تعكس طبيعة الصحافة في زمن كانت فيه أكثر التصاقًا بالحدث.
كما أشار إلى أن بعض فصول الكتاب تكشف عن مواقف دقيقة في العلاقة بين الصحافة والسلطة، وكيف كان الصحفي يتحرك في مساحة معقدة بين المهنية والاقتراب من مراكز القرار، مستعرضًا نماذج من ذلك التفاعل في مراحل تاريخية مختلفة، مؤكدا أن قيمة الكتاب لا تكمن فقط في سرد الوقائع، بل في قدرته على إثارة الذاكرة وإعادة طرح الأسئلة حول دور الصحافة، وحدود تأثيرها، وعلاقتها بالتحولات السياسية والاجتماعية في مصر.
واختتم السفير حديثه مشيرًا إلى أن هذا الكتاب يمثل إضافة مهمة للمكتبة الصحفية المصرية، وأنه يوثق مرحلة طويلة من تاريخ الصحافة والعمل العام، بما تحمله من تعقيدات وتحولات، داعيًا الحضور إلى قراءته بوصفه نصً يجمع بين التجربة الشخصية والذاكرة الوطنية، ويعيد تقديم صورة الصحفي الشاهد على عصره.
كواليس الأحداث التاريخية
كانت من بين حضور هذه الندوة التكريمية لشيخ الصحفيين، المحامية اللبنانية المقيمة في مصر "ريتا بدر الدين" وزوجها "محمد أبو زيد". وقد قالت إن الندوة جاءت جميلة ومميزة في مكتبة مصر العامة بالدقي على ضفاف نهر النيل، حيث سعد الحضور بالمشاركة فيها، ولفتت إلى أن القاعة امتلأت بعدد كبير من المثقفين والمفكرين والمبدعين وأساتذة الجامعات، الذين استمعوا بشغف إلى تجربة شيخ الصحفيين عبده مباشر.
وأشارت إلى أن اللقاء شهد ترحيبًا من السفير رضا الطيفي، مدير صندوق مكتبات مصر العامة وعضو مجلس إدارتها، بالحضور وبالضيف المكرم، قبل أن يتناول الحديث مذكرات الكاتب عبده مباشر، التي صدرت في أكثر من 500 صفحة عن دار غراب للنشر في مصر، ووصفتها بأنها بمثابة “أوراق العمر” التي توثق رحلة طويلة في الصحافة والحياة العامة.
وأضافت أن السفير الطيفي قدّم تعريفًا وافيًا بالكاتب، مسلطًا الضوء على أهميته في الساحة الثقافية والصحفية العربية، قبل أن يستعرض محتوى هذه المذكرات التي ترصد أحداثًا مهمة شهدتها مصر منذ العهد الملكي وحتى حرب أكتوبر 1973، أو بعدها.
واختتمت كلمتها مؤكدة أن حضورها هذه الندوة كان تجربة ممتعة، خاصة مع وجود صديقتها الكاتبة الروائية اللبنانية مريم هرموش، مؤكدة أن مشاركتها أضافت أجواء من البهجة والثراء الثقافي، وأن موقع المكتبة على ضفاف النيل شكّل لوحة بصرية مميزة تعكس جمال المكان وعمق رمزيته في المشهد الثقافي المصري.
كما حضر الندوة عدد آخر من الشخصيات العامة والأكاديمية والكتّاب والمثقفين، منهم: وفاء عقل، والكاتب الصحفي الدكتور وليد حيدر، وابنته لميس الحفيدة المدللة للزميل الكاتب الصحفي الكبير الراحل سعيد حيدر الذي كتب عنه عبده مباشر في هذه المذكرات، ومحمود قطب الأديب والباحث الفائز بجائزة الدولة التشجيعية 2025، والدكتور عبدالبديع عبد الله، والروائي محسن الغمري، والدكتور طارق منصور، والدكتور أحمد نبوي، والدكتور عايدي علي جمعة، والقاصة والإعلامية الدكتورة منة الله سامي، والمثقف سيد موناليزا، ومجدي بكري من اتحاد الكتاب، وطايع الديب، إلى جانب ناشر الكتاب حسن غراب، ومسئول الدار أحمد حسن غراب، وسط حضور عكس تنوعًا بين الأكاديميين والمبدعين والمهتمين بالشأن الثقافي والصحفي.
ويعلق منتصر سعد نجيب، مدير تحرير جريدة “الوفد” على هذه المذكرات قائلًا، إن الكتاب قد أوضح كثيرًا من كواليس بعض الأحداث التاريخية، مشيرًا إلى أن قراءة التاريخ ومحاولة البحث عن الحقيقة أمر شديد الصعوبة، حتى لو جرى الاعتماد على التاريخ الرسمي أو الموازي أو على ما كتبه الباحثون والمستشرقون، في محاولة للاقتراب من الحقيقة، لكن الوصول إليها يظل معقدًا ومفتوحًا على أكثر من قراءة.
وأضاف أن الاقتراب الحقيقي من فهم الأحداث الكبرى التي غيّرت مجرى التاريخ لا يتحقق إلا من خلال الاطلاع على الكواليس والتفاصيل غير المعلنة، وهو ما يتفرد به كتاب شيخ مشايخ الصحفيين عبده مباشر “أعطيت الكلمة عمري”، حيث يخصص أكثر من فصل لكشف بعض كواليس الأحداث المهمة التي عاشها الكاتب أو اقترب منها.
ويؤكد هو الآخر أن الكتاب لا يمكن اعتباره سيرة ذاتية بالمعنى التقليدي، بل هو أقرب إلى شهادات واعترافات يقدمها الكاتب عن وقائع وأحداث عايشها عن قرب، ولم تُتناول من قبل بالشكل الكافي في كتب أو دراسات أخرى، الأمر الذي يمنح العمل قيمة توثيقية خاصة، ويجعله إضافة إلى أدبيات كتابة المذكرات الصحفية في مصر.