محمود المليجي .. ذكرى رحيل شرير الشاشة الذي أحبته الجماهير
تحل اليوم السادس من يونيو، ذكرى رحيل واحد من أعمق أعمدة الفن العربي، الفنان القدير محمود المليجي، صاحب الإرث السينمائي والمسرحي الثري، والذي برع في تجسيد أدوار الشر حتى لقت بـ "شرير الشاشة"، ولعبقرته التمثيلية أطلق عليه نقاد الغرب "أنتوني كوين الشرق" و"مارلون براندو العرب"، نظراً لتعبيرات وجهه الصادقة ونظرات عينيه الحادة التي كانت تنطق بالتفاصيل قبل الكلمات.
البدايات
ولد محمود المليجي في حي المغربلين العريق بالقاهرة لأسرة ذات أصول ريفية، نبتت موهبته وتفتحت أثناء دراسته في المدرسة الخديوية، حيث عشق التمثيل والملاكمة معا، وجاءت نقطة التحول الحقيقية في بداياته عندما رآه كبار الفنانين الذين كانوا يدربون فريق المدرسة مثل عزيز عيد وأحمد علام، وتنبأوا له بمستقبل باهر.
انضم المليجي في مطلع الثلاثينيات إلى فرقة الفنانة الكبيرة فاطمة رشدي، وبدأ بأداء أدوار صغيرة للغاية بمقابل شهري بسيط، وشارك معها في أول فيلم سينمائي له بعنوان "الزواج" عام 1933، ورغم فشل الفيلم تجاريا وعودة المليجي لفترة قصيرة إلى أدوار التلقين والمسرح، إلا أن العزيمة لم تفارقه.
المسيرة الفنية
بدأت ملامح نجومية المليجي تتشكل بوضوح عندما انتقل إلى أدوار الشر التي طورت من نمط السينما المصرية، وكان فيلم "قيس وليلى" عام 1939 بداية انطلاقته، ليقدم على مدار ثلاثة عقود شخصية رئيس العصابة الذكي أو الرجل الأرستقراطي المستغل أو القاتل بدم بارد.
تميز المليجي عن غيره بأنه لم يعتمد على العنف الجسدي في أدوار الشر، بل كان يجسده من خلال نظرات عينيه ونبرة صوته الهادئة والمخيفة في آن واحد، ولم تقتصر مسيرته على الشر، بل برع في أدوار إنسانية معقدة مثل الطبيب النفسي والأب المقهور والموظف الكادح، كما أسس شركته الإنتاجية الخاصة عام 1947 ليساهم في تطوير صناعة السينما، وقدم من خلالها فيلم "المغامر".
أما حياته محمود المليجي الشخصية، فقد اتسمت بالاستقرار والوفاء، حيث تزوج من رفيقة دربه الفنانة القديرة علوية جميل عام 1939، واستمر زواجهما 44 عاماً حتى وفاته.
أهم أعماله الفنية
قدم المليجي خلال مسيرته التي امتدت لنصف قرن أكثر من 750 عملا فنيا بين سينما ومسرح وتلفزيون وإذاعة، وتظل محطته مع المخرج يوسف شاهين هي الأبرز والأكثر نضجا في مسيرته الفنية عبر مجموعة من الروائع، منها فيلم الأرض عام 1970 والذي جسد فيه شخصية الفلاح محمد أبو سويلم، وهو الدور الذي يعد علامة فارقة في تاريخ السينما العربية، ومشهد سحله على الأرض وهو متمسك بتراب أرضه، إضافة إلى أفلام العصفور والاختيار وعودة الابن الضال وإسكندرية ليه وحدوتة مصرية.
كما قدم عددا من كلاسيكيات السينما منها أمير الانتقام والوحش والفتوة وسمارة وواإسلاماه وحكاية حب وغروب وشروق، كما شارك في رصيد ضخم من المسرحيات مع فرقة إسماعيل يس وتحية كاريوكا، إضافة إلى دراما التلفزيون مثل مسلسل "الأيام" و"وقال البحر".
رحيل درامي
ومثلما عاش مخلصا للفن، اختار القدر أن تكون نهاية محمود المليجي درامية وتشبه أفلامه، ففي 6 يونيو 1983، وأثناء تواجده في استوديو التصوير يستعد لتأدية آخر لقطات دوره في الفيلم التلفزيوني "أيوب"، كان يشرب الفنجان الأخير من القهوة مع صديق عمره الفنان عمر الشريف.
بدأ المليجي يتحدث بشكل عابر عن غرابة الحياة والنوم والاستيقاظ، وفجأة أمال رأسه إلى الخلف وكأنه استغرق في نوم عميق، حتى ظن الجميع في البداية أنه يمثل مشهد الموت ويمزح معهم بعبقريته المعتادة، ليتضح بعد لحظات أنه فارق الحياة بالفعل إثر أزمة قلبية حادة عن عمر ناهز 73 عاما، وغاب جسد المليجي، لكن عينيه وشخصياته ستبقى حية في وجدان السينما إلى الأبد.