رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لماذا تفشل الاتفاقات بين الولايات المتحدة وإيران في اللحظات الأخيرة|تقرير

واشنطن وطهران
واشنطن وطهران

رغم عشرات الجولات التفاوضية التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران على مدى أكثر من أربعة عقود، ورغم اقتراب الطرفين في أكثر من مناسبة من توقيع تفاهمات تاريخية، فإن المشهد يكاد يتكرر بصورة لافتة: تقدم كبير في المفاوضات، تسريبات عن اتفاق وشيك، ثم انهيار مفاجئ في اللحظات الأخيرة. فما الأسباب الحقيقية وراء هذا النمط المتكرر؟

جداول تطرح ولا حلول

ففي الوقت الذي ألمح فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى أن المحادثات مع الجانب الإيراني قد تفضي إلى اتفاق نهاية الأسبوع الحالي، رغم إعلان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي توقف المباحثات في الوقت الحالي، كشفت مصادر مطلقة تفاصيل الاتفاق المرحلي الذي شكل محور التفاوض بين الجانبين، حسب موقع العربية.

وهناك تسريبات متقاطعة من مصادر قريبة من دوائر التفاوض بينت أن تنفيذها سيتم عبر أربع مراحل متتابعة، بحيث يرتبط الانتقال من مرحلة إلى أخرى بالتزام الطرفين بتنفيذ التعهدات المتفق عليها.

بأن وقف إطلاق النار، وتحرير الملاحة في هرمز، وتخفيف العقوبات على إيران، والإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة، إضافة إلى تقديم تسهيلات مرتبطة بالصادرات النفطية والتبادل التجاري.

 إرث ثقيل من انعدام الثقة

يُجمع معظم الباحثين على أن العامل الأكثر تأثيراً في فشل المفاوضات الأمريكية الإيرانية هو انعدام الثقة المتبادل المتراكم منذ **الثورة الإيرانية عام 1979** وأزمة الرهائن الأمريكيين في طهران. فمنذ ذلك الوقت تنظر كل دولة إلى الأخرى باعتبارها خصماً استراتيجياً لا شريكاً يمكن الوثوق به. 

وتفاقمت هذه الأزمة بعد انسحاب إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عام 2018 من الاتفاق النووي المعروف باسم **خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)**، رغم تأكيد الوكالة الدولية للطاقة الذرية آنذاك التزام إيران ببنود الاتفاق. وقد أدى ذلك إلى ترسيخ قناعة داخل إيران بأن أي إدارة أمريكية يمكنها إلغاء التزامات سابقتها بقرار سياسي، ما يجعل أي ضمانات أمريكية موضع شك. 

 خلاف جوهري حول طبيعة الاتفاق

في كل جولة تفاوض تقريباً، يختلف الطرفان حول السؤال الأساسي: ماذا يجب أن يتضمن الاتفاق؟

فالولايات المتحدة تسعى عادة إلى تقييد البرنامج النووي الإيراني، إضافة إلى برامج الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي الإيراني. أما طهران فتصر على أن المفاوضات يجب أن تقتصر على الملف النووي والعقوبات الاقتصادية، وترفض إدراج ملفات أخرى على الطاولة. وقد شكل هذا الخلاف أحد أبرز أسباب تعثر الاتفاقات السابقة. 

الصراع بين السياسة الخارجية والسياسة الداخلية

لا تُدار المفاوضات بين واشنطن وطهران في فراغ سياسي، بل تخضع لضغوط داخلية هائلة في البلدين، في الولايات المتحدة يواجه أي رئيس معارضة من الكونغرس وجماعات الضغط والحسابات الانتخابية. أما في إيران، فإن أي تنازل كبير قد يواجه رفضاً من التيار المحافظ والمؤسسات الأمنية والدينية النافذة. لذلك كثيراً ما يقترب المفاوضون من التوصل إلى تسوية، ثم يتراجع أحد الطرفين خشية دفع ثمن سياسي داخلي. 

 معضلة العقوبات والضمانات

تمثل العقوبات الأمريكية العقدة الأكثر تعقيداً في أي تفاوض.

فإيران تطالب عادة برفع ملموس للعقوبات وتقديم ضمانات تحول دون إعادة فرضها مستقبلاً، بينما ترفض الإدارات الأمريكية تقديم ضمانات قانونية طويلة الأمد لا يمكن للرؤساء اللاحقين التراجع عنها. وهكذا يجد الطرفان نفسيهما أمام معادلة شبه مستحيلة: إيران تريد ضمانات لا تستطيع واشنطن تقديمها، وواشنطن تريد تنازلات لا تستطيع طهران تقديمها بسهولة. 

فجوة التحقق والرقابة

من أكثر القضايا التي تتعثر عندها المفاوضات مسألة التفتيش الدولي.

فالولايات المتحدة والقوى الغربية تطالب بإجراءات رقابية واسعة تسمح للمفتشين الدوليين بالوصول إلى المواقع المشتبه بها، بينما تعتبر إيران أن بعض هذه المطالب تمس سيادتها وأمنها القومي. وقد برزت هذه الإشكالية في معظم جولات التفاوض النووي خلال العقدين الماضيين. 

 الأطراف الإقليمية ليست غائبة عن الطاولة

رغم أن المفاوضات تتم رسمياً بين واشنطن وطهران، فإن أطرافاً إقليمية عديدة تؤثر في مسارها، وعلى رأسها إسرائيل وبعض القوى الإقليمية الأخرى.

ويشير عدد من المحللين إلى أن أي اتفاق لا يراعي المخاوف الأمنية لهذه الأطراف يواجه ضغوطاً سياسية كبيرة داخل الولايات المتحدة، ما يجعل الوصول إلى تسوية نهائية أكثر تعقيداً. كما أن التوترات العسكرية في المنطقة كثيراً ما تنعكس مباشرة على مسار المفاوضات. 

 التصعيد العسكري ينسف التقدم الدبلوماسي

أحد الأنماط المتكررة في العلاقة بين البلدين هو أن أي حادث أمني أو مواجهة عسكرية غالباً ما يؤدي إلى تجميد أو تعطيل المفاوضات.

وخلال المفاوضات الجارية حالياً، اتهمت إيران الولايات المتحدة بإرسال رسائل متناقضة والاستمرار في سياسات عسكرية وإقليمية تُضعف فرص التوصل إلى تفاهم، فيما تؤكد واشنطن أن العقوبات والضغوط ستستمر حتى تحقق أهدافها الأمنية.

"الاتفاق الكامل" مقابل "الاتفاق المرحلي"

تسعى واشنطن غالباً إلى اتفاقات أوسع وأكثر شمولاً، بينما تفضل طهران حلولاً تدريجية تتضمن خطوات متبادلة ومتوازنة.

هذا التباين يجعل الطرفين يقتربان من الاتفاق في الملفات الفنية، لكنهما يصطدمان عند القضايا السياسية الكبرى في المراحل النهائية، وهو ما حدث مراراً في المفاوضات النووية السابقة والحالية. 

السبب الحقيقي وراء انهيار الاتفاقات الأمريكية الإيرانية في اللحظات الأخيرة ليس خلافاً واحداً، بل تداخل خمسة عوامل رئيسية: **انعدام الثقة التاريخي، وضغوط السياسة الداخلية، والخلاف حول العقوبات والضمانات، والنزاعات الإقليمية، وتباين الرؤية بشأن شكل الاتفاق النهائي**. لذلك غالباً ما تنجح المفاوضات في تجاوز الملفات التقنية، لكنها تتعثر عندما تصل إلى القرارات السياسية الكبرى التي تتطلب تنازلات لا يرغب أي طرف في دفع ثمنها داخلياً. وتُظهر التجارب السابقة أن المشكلة بين واشنطن وطهران ليست في الوصول إلى مسودة اتفاق، بل في القدرة على بناء ثقة كافية تسمح بتحويل تلك المسودات إلى اتفاقات مستدامة. 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء