عمارة إبراهيم: فصل معرض الكتاب عن هيئة الكتاب جريمة ثقافية|خاص
قال الشاعر الكبير عمارة إبراهيم، إن أزمة الهيئة المصرية العامة للكتاب ومعرض القاهرة الدولي للكتاب، لا ترتبط بالأشخاص بقدر ارتباطها بغياب الرؤية الثقافية الواضحة، مؤكداً أن إدارة المؤسسات الثقافية يجب أن تكون في يد شخصيات تمتلك خبرة ثقافية وفكرية وإدارية حقيقية، وليس مجرد خبرات مالية أو إدارية بحتة.
وأضاف إبراهيم، لـ"إيجبتك"، أن المشكلة لا تتعلق بالدكتور خالد أبو الليل أو بأي اسم مطروح لتولي المسؤولية، موضحاً أن المؤسسات الثقافية تحتاج إلى قيادات تدرك طبيعة العمل الثقافي وأهدافه ورسائله، لأن الثقافة لا يمكن إدارتها بعقلية الحسابات والأرقام فقط.
آليات إدارة وإنتاج الثقافة
وأوضح أن الدولة بحاجة إلى إعادة النظر في آليات إدارة وإنتاج الثقافة وصناعة الكتاب، مشيراً إلى أن هناك تراجعاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة في الاهتمام بالقيم الثقافية والمعرفية لصالح اعتبارات مادية واستثمارية، وهو ما انعكس سلباً على المشهد الثقافي بشكل عام.
وأشار إلى أنه لا يمانع في أن تتحول بعض الأنشطة الثقافية إلى مشروعات تحقق عائداً اقتصادياً، لكن بشرط ألا يتم ذلك على حساب الهوية الثقافية أو من خلال أشخاص لا يمتلكون علاقة حقيقية بالثقافة والفكر والإبداع.
فصل معرض القاهرة الدولي عن الهيئة العامة للكتاب
وأردف أن الهيئة المصرية العامة للكتاب تعاني في الأساس من أزمة تتعلق بطبيعة دورها ومستقبلها، متسائلاً عن جدوى استمرار الأوضاع الحالية في ظل تراجع معدلات شراء الكتب، مؤكداً أن القضية تتطلب رؤية استراتيجية متكاملة وليس مجرد تغييرات إدارية محدودة.
واستكمل أن الحديث عن فصل معرض القاهرة الدولي للكتاب عن الهيئة العامة للكتاب يجب أن يسبقه نقاش علمي ومؤسسي واسع، موضحاً أنه ليس مع الفصل أو ضده بشكل مطلق، وإنما مع وجود خطط احترافية ومدروسة تحدد طبيعة العلاقة بين المؤسستين وآليات العمل بينهما.
ولفت إلى أن الفصل المالي بين ميزانية المعرض وميزانية الهيئة العامة للكتاب يمكن أن يكون أمراً مقبولاً، لكنه يرفض فصل المعرض مؤسسياً عن الهيئة، معتبراً أن ذلك قد يمثل إضعافاً للمنظومة الثقافية ككل إذا لم يتم وفق دراسة متأنية.
تطوير معرض القاهرة الدولي للكتاب
وتابع أن معرض القاهرة الدولي للكتاب يجب أن يكون مؤسسة قائمة بذاتها من حيث الإدارة والتنظيم والبرمجة الثقافية، مع بقائه جزءاً من منظومة الهيئة العامة للكتاب، مؤكداً أن القضية لا تُحل بإقصاء أفراد أو استبدال أسماء بأخرى، وإنما بإصلاح المنظومة كاملة.
وأضاف أن تطوير المعرض يتطلب الاستعانة بالكتاب والنقاد والناشرين والمتخصصين في الإدارة والاقتصاد والثقافة لوضع رؤية متكاملة، بدلاً من اتخاذ قرارات فردية أو الاعتماد على اجتهادات محدودة.
وأشار إلى أن عناصر نجاح المعرض تبدأ بالكاتب والكتاب والناشر، ثم تأتي الفعاليات الثقافية والفكرية والفنية الداعمة لهذه المنظومة، من ندوات ومؤتمرات وورش عمل وعروض فنية ومسرحية، مؤكداً أن المعرض لا يجب أن يُختزل في كونه مساحة تجارية أو مصدر دخل فقط.
وأوضح أن العلاقة بين إدارة المعرض ودور النشر تحتاج إلى مراجعة شاملة، خاصة فيما يتعلق بالرسوم وآليات المشاركة والتوازن بين دور النشر الحكومية والخاصة، بما يضمن تحقيق العدالة ودعم صناعة النشر.
مشكلات معرض القاهرة الدولي للكتاب
ولفت إلى أن أحد أبرز أوجه القصور يتمثل في العشوائية التي تشهدها بعض الفعاليات، حيث تُقام ندوات متزامنة في عدة قاعات، ما يؤدي إلى تشتيت الجمهور وتقليل نسب الحضور والاستفادة من المحتوى الثقافي المقدم.
وتابع أن معرض القاهرة الدولي للكتاب كان في فترات سابقة يشهد حضوراً جماهيرياً كثيفاً للندوات والأمسيات الثقافية، مستشهداً بما كان يحدث خلال فترة رئاسة الدكتور سمير سرحان للهيئة العامة للكتاب، حين كانت القاعات تمتلئ بالكامل في لقاءات شخصيات مثل محمد حسنين هيكل ونزار قباني وعبد الرحمن الأبنودي وفاروق جويدة، وكانت إدارة المعرض تضطر إلى تركيب مكبرات صوت خارج القاعات ليستطيع الجمهور متابعة الفعاليات.
وأشار إلى أن هذا الزخم الثقافي تراجع بصورة واضحة خلال السنوات الأخيرة، لافتاً إلى أن أعداداً كبيرة من زوار المعرض باتت تتعامل معه بوصفه متنزهاً أو مساحة للترفيه أكثر من كونه مناسبة ثقافية وفكرية.
وأوضح أن استعادة الدور الحقيقي للمعرض تتطلب خططاً جديدة لجذب الجمهور، عبر استضافة الشخصيات الفكرية والفنية المؤثرة، وإقامة لقاءات جماهيرية وفعاليات متنوعة تستعيد مكانة المعرض كأهم حدث ثقافي في المنطقة.
مقترحات لتطوير المعرض
وأضاف أن المسرح والفنون والسينما والإعلام يجب أن تكون حاضرة بقوة داخل المعرض، مؤكداً أن مشاركة هذه القطاعات من شأنها تعزيز القيمة الثقافية للحدث وجذب شرائح جديدة من الجمهور.
وتابع أن من الضروري أن تتكامل جهود وزارة الثقافة مع مختلف المؤسسات الثقافية والإعلامية لتحقيق أقصى استفادة من المعرض، بدلاً من اقتصار دوره على بيع الكتب أو تنظيم فعاليات محدودة التأثير.
وأشار إلى أن دورة العام الماضي شهدت بعض التحسن النسبي مقارنة بسنوات سابقة، خاصة فيما يتعلق بعودة بعض الأنشطة الثقافية والتغطيات الإعلامية المباشرة، إلا أن ذلك لا يزال بعيداً عن المستوى الذي يليق بتاريخ معرض القاهرة الدولي للكتاب.
ولفت إلى وجود أوجه قصور تنظيمية وخدمية شهدتها بعض الدورات السابقة، مؤكداً أن نجاح المعرض لا يقاس فقط بعدد الزوار أو الإيرادات، وإنما بمدى تأثيره الثقافي والفكري في المجتمع.
واختتم عمارة إبراهيم تصريحاته مؤكدًا على أن مستقبل معرض القاهرة الدولي للكتاب وهيئة الكتاب يتطلب إعادة بناء شاملة على أسس علمية وثقافية واضحة، تقوم على التخطيط الاستراتيجي والاستعانة بأصحاب الخبرات الحقيقية، حفاظاً على مكانة الثقافة المصرية ودورها التاريخي في صناعة الوعي والمعرفة.





