رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

التوسعة والجامكية.. رحلة العيدية من طقس رسمي في القصور إلى عادة شعبية

 رحلة العيدية من
رحلة العيدية من طقس رسمي في القصور إلى عادة شعبية

يمثل تقليد «العيدية» واحدًا من أبرز المظاهر الاجتماعية المرتبطة بفرحة الأعياد في العالم العربي والإسلامي، حيث يتجدد حضوره مع حلول عيد الفطر وعيد الأضحى بوصفه عادة اجتماعية متوارثة تعكس قيم البهجة والتواصل الأسري، وتمنح الأطفال على وجه الخصوص شعورًا خاصًا بالفرح والانتظار مع قدوم العيد كل عام، بما يجعله أحد أهم الطقوس الاجتماعية التي ترتبط بالذاكرة الجمعية للمجتمعات العربية.

ورغم بساطة هذا التقليد في صورته الحالية، إلا أن جذوره التاريخية تمتد إلى قرون طويلة، إذ تشير العديد من المصادر التاريخية إلى أن بدايات العيدية تعود إلى العصر الفاطمي في مصر، حين ارتبطت بالمظاهر الاحتفالية الرسمية التي كانت تقام في المناسبات الدينية، والتي شملت توزيع الأموال والحلوى والهدايا على مختلف فئات المجتمع، في مشهد يعكس طبيعة الاحتفال والكرم الاجتماعي الذي ميّز تلك المرحلة التاريخية.

العصر الفاطمي

في العصر الفاطمي ارتبط مفهوم العيدية بما كان يُعرف بـ«التوسعة»، وهي عادة اجتماعية وسياسية في آن واحد، حيث كان الخلفاء يحرصون على إدخال البهجة على الناس في الأعياد من خلال توزيع العطايا والهبات على مختلف الفئات، بداية من رجال الدولة وكبار الموظفين، مرورًا بالفقهاء والمؤذنين، وصولًا إلى عامة الناس، ضمن احتفالات رسمية تتسم بالثراء والاتساع في مظاهرها وطقوسها.

وتوضح الروايات التاريخية أن هذه المظاهر كانت تشمل أيضًا توزيع الدنانير والدراهم إلى جانب الحلوى والملابس، حيث كان الخليفة يشرف بنفسه على جانب من تلك الطقوس، في دلالة واضحة على مكانة العيد بوصفه حدثًا اجتماعيًا ودينيًا في الوقت ذاته، وهو ما ساهم لاحقًا في ترسيخ فكرة «العيدية» كموروث شعبي يرتبط بالفرح والعطاء.

العصر المملوكي والعثماني

ومع انتقال الحكم إلى العصر المملوكي شهدت العيدية تحولًا في شكلها ومضمونها، حيث عُرفت باسم «الجامكية»، وكانت تُصرف كمكافآت أو رواتب موسمية تُمنح بأمر السلطان لفئات متعددة داخل الدولة، تشمل الجند والموظفين وكبار رجال البلاط، وهو ما منحها طابعًا رسميًا أكثر تنظيمًا مرتبطًا بمؤسسات الحكم وإدارة الدولة.

أما في العصر العثماني، فقد بدأت العيدية في الخروج تدريجيًا من الإطار الرسمي لتتحول إلى عادة اجتماعية شعبية تمارس داخل البيوت وبين أفراد العائلات والمجتمعات المحلية، حيث أصبحت مرتبطة بالمحبة والتواصل الاجتماعي وتعزيز الروابط الأسرية خلال أيام العيد، بدلًا من ارتباطها بالمؤسسات الحاكمة والسلطة المركزية.

العيدية في العصر الحديث

ومع تطور الزمن وتغير البنية الاجتماعية استقرت العيدية في شكلها الحديث المعروف حاليًا، والمتمثل في تقديم مبالغ نقدية أو هدايا رمزية للأطفال داخل الأسرة، حيث تختلف قيمتها من مجتمع لآخر ومن أسرة لأخرى، لكنها تظل مرتبطة دائمًا بالفرحة والاحتفال وإدخال البهجة على الصغار الذين ينتظرونها كل عام كجزء أساسي من طقوس العيد.

كما لم تعد العيدية مقتصرة على النقود فقط، بل توسعت لتشمل أشكالًا متعددة من الهدايا مثل الألعاب والحلوى والملابس، إلا أن الشكل النقدي ظل الأكثر انتشارًا والأقرب إلى مفهومها التقليدي، باعتباره رمزًا مباشرًا للفرح والاهتمام وإحياء روح العيد داخل الأسرة.

تسميات العيدية في الدول العربية

وتتنوع مسميات العيدية في الدول العربية تبعًا للثقافات المحلية والعادات الاجتماعية، ورغم اختلاف الأسماء إلا أن الفكرة تظل واحدة، ففي مصر والأردن وسوريا والعراق والكويت يطلق عليها اسم «العيدية»، بينما تعرف في سلطنة عمان باسم «العيود»، وفي بعض مناطق السعودية تأخذ مسميات محلية متعددة ترتبط بالعادات الشعبية.

أما في دول المغرب العربي فتعرف بأسماء مختلفة مثل «مهبة العيد» في تونس و«فلوس العيد» في المغرب، ورغم هذا التنوع في المصطلحات، إلا أن العيدية تظل في جميع صورها رمزًا اجتماعيًا للفرح والمشاركة والتكافل، يجمع بين الأجيال المختلفة داخل المجتمع ويعكس استمرار عادة متوارثة عبر الزمن.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء