لماذا خلع الخديوي إسماعيل ونفيه إلى نابولي في هذا اليوم؟
في مثل هذا اليوم 26 يونيو عام 1879، شهدت مصر واحدة من أكثر اللحظات تأثيرًا في تاريخها الحديث، بعدما أصدر السلطان العثماني عبد الحميد الثاني فرمانًا يقضي بعزل الخديوي إسماعيل عن حكم مصر، وتنصيب نجله الأكبر محمد توفيق باشا خلفًا له على عرش البلاد، في خطوة جاءت نتيجة ضغوط أوروبية متزايدة بسبب الأزمة المالية التي عصفت بمصر في أواخر عهد إسماعيل.
الخديوي إسماعيل
يعد الخديوي إسماعيل أحد أبرز حكام مصر في القرن التاسع عشر، لما شهده عهده من نهضة عمرانية وثقافية واسعة، فإن مشروعاته الطموحة وسياساته المالية أدخلت البلاد في دوامة من الديون الأجنبية، ما منح القوى الأوروبية، وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا، نفوذًا متزايدًا داخل الإدارة المصرية.
وجاء قرار العزل بعد تحالف المصالح الأوروبية مع الدولة العثمانية، إذ رأى الباب العالي أن استمرار إسماعيل في الحكم قد يهدد استقرار السلطنة ومصالحها. وأرسل السلطان العثماني برقية رسمية إلى الخديوي المخلوع، تضمنت قرار عزله بسبب “الصعوبات الداخلية والخارجية” التي تمر بها مصر، مع تكليف الأمير توفيق باشا بتولي منصب الخديوية.
وتشير الوثائق التاريخية إلى أن إسماعيل تلقى نبأ عزله بهدوء، لكنه أمضى الأيام التالية في الاستعداد لمغادرة البلاد، حيث جمع مقتنياته الثمينة من القصور الملكية، ونُقلت على متن اليخت الملكي “المحروسة”، السفينة ذاتها التي حملته في سنوات مجده إلى العواصم الأوروبية.
وفي 30 يونيو 1879، غادر إسماعيل مدينة الإسكندرية متجهًا إلى مدينة نابولي الإيطالية برفقة زوجاته وحاشيته، بعدما رفض السلطان العثماني استقباله في الآستانة.
والمفارقة التاريخية أن نابولي نفسها استقبلت بعد عقود حفيده الملك فاروق الأول عقب خروجه من مصر في أعقاب ثورة يوليو 1952.
ورغم خروجه من الحكم، لم يتوقف إسماعيل عن محاولة العودة إلى المشهد السياسي، فظل يرسل الالتماسات إلى السلطان العثماني حتى سُمح له لاحقًا بالإقامة في الآستانة عام 1888، حيث عاش في قصر إميرجان المطل على مضيق البوسفور.
وبعد سنوات طويلة قضاها في المنفى، عاد الخديوي إسماعيل إلى مصر جثمانًا بعد وفاته عام 1895، ليدفن في مسجد الرفاعي بالقاهرة، تاركًا وراءه إرثًا مثيرًا للجدل بين من يراه صاحب مشروع تحديثي كبير، ومن يعتبر أن سياساته المالية فتحت الباب للتدخل الأجنبي والاحتلال البريطاني لاحقًا.
في النهاية يبقى عهد الخديوي إسماعيل من أكثر الفترات التي شهدت تحولات جذرية في تاريخ مصر الحديث، إذ شهدت البلاد خلال سنوات حكمه توسعًا في إنشاء السكك الحديدية، وتطوير القاهرة، وبناء الأوبرا الخديوية، إلى جانب افتتاح قناة السويس، وهو المشروع الذي غيّر خريطة التجارة العالمية وأعاد رسم مكانة مصر على الساحة الدولية.