رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

آدم حنين.. رائد النحت المصري ومؤسس سمبوزيوم أسوان الدولي

 آدم حنين
آدم حنين

في ذكرى رحيل الفنان التشكيلي آدم حنين، تستعيد الحركة التشكيلية في مصر والعالم العربي مسيرة فنية ممتدة لأحد أبرز رواد النحت في القرن العشرين، والذي استطاع أن يرسخ لنفسه مكانة خاصة عبر مشروع فني متكامل جمع بين الأصالة المصرية القديمة والتجريب الحديث، وامتد تأثيره ليشمل أجيالًا من الفنانين داخل مصر وخارجها، فضلًا عن إسهامه البارز في تأسيس سمبوزيوم أسوان الدولي للنحت الذي أصبح منصة عالمية للفن التشكيلي المعاصر.

تكوين فني متعدد المراحل

ولد آدم حنين في 31 مارس 1929 بالقاهرة داخل أسرة تنتمي إلى بيئة حرفية تعمل في صياغة الحلي، وهو ما جعله منذ طفولته قريبًا من تفاصيل الصناعة اليدوية الدقيقة التي انعكست لاحقًا على حسه الفني.

نشأ في حي باب الشعرية الذي كان له تأثير اجتماعي وثقافي واضح على تكوينه المبكر، ثم التحق بمدرسة الفنون الجميلة عام 1949، وتخرج فيها عام 1953، حيث بدأ أولى خطواته الجادة في دراسة النحت والتشكيل الأكاديمي، قبل أن ينتقل إلى مرحلة أكثر نضجًا عبر العمل في مرسم الأقصر الذي أتاح له الاحتكاك المباشر بالآثار المصرية القديمة والبيئة البصرية الخاصة بالصعيد، وهو ما شكل أحد أهم مصادر الإلهام في تجربته لاحقًا.

وفي عام 1957 حصل على منحة دراسية إلى أكاديمية الفنون الجميلة في ألمانيا، حيث تعرف على مدارس نحت أوروبية مختلفة وأساليب حديثة في التكوين والتجريد، ثم انتقل بعد ذلك إلى فرنسا عام 1971 ليستقر هناك حتى عام 1996، وهي الفترة التي شهدت تطورًا كبيرًا في تجربته الفنية وظهور اسمه في عدد من المعارض والمحافل الدولية، إلى أن قرر العودة إلى مصر حاملًا خبرة تراكمية طويلة.

العودة إلى مصر وبناء مشروع فني متكامل

عاد آدم حنين إلى مصر عام 1996 بعد رحلة طويلة من العمل الفني في أوروبا، واستقر في قرية الحرانية حيث اتخذ من البيئة الريفية الهادئة مساحة للإبداع والتأمل، وأقام محترفه الخاص الذي تحول إلى مركز لإنتاج أعماله النحتية ومتابعة مشاريعه الفنية المختلفة، في إطار رؤية تقوم على البساطة والارتباط بالطبيعة باعتبارها جزءًا أساسيًا من العمل الفني وليس مجرد خلفية له.

وخلال هذه المرحلة، واصل الفنان الراحل نشاطه الفني، كما شارك في أعمال ترميم تمثال أبو الهول بالجيزة بين عامي 1989 و1998، وهو مشروع أثري ضخم يعكس اهتمامه العميق بالتراث المصري القديم، كما شهد عام 1996 تأسيسه لسمبوزيوم أسوان الدولي لفن النحت، الذي جمع فنانين من مختلف دول العالم للعمل المباشر على الصخور في بيئة مفتوحة، ليصبح أحد أهم الفعاليات الفنية العالمية المتخصصة في النحت المعاصر.

تميز أسلوب آدم حنين الفني بقدرته على المزج بين البساطة الشكلية والعمق الدلالي، حيث استلهم في أعماله الأولى روح الفن المصري القديم مع معالجة حديثة للكتل النحتية والأحجام، ما منح أعماله طابعًا يجمع بين الصرامة الهندسية والروح التعبيرية، قبل أن يتطور هذا الأسلوب في السبعينيات ليصبح أكثر تحررًا من القيود الواقعية، متجهًا نحو التبسيط الشديد واختزال الشكل إلى جوهره الأساسي.

وفي الثمانينيات، اتجهت أعماله نحو التجريد الكامل تقريبًا، حيث ظهرت التكوينات الصافية التي تعتمد على الحركة الداخلية للكتلة النحتية، مع اهتمام خاص بمفاهيم الضوء والظل والفراغ، كما تناولت أعماله موضوعات رمزية مثل الشمس والقمر ومفاهيم الصعود والارتقاء الروحي، بينما في التسعينيات ركز على الأعمال الكبيرة المخصصة للفراغات المفتوحة والساحات العامة، بما يجعل النحت جزءًا من الحياة اليومية للمكان وليس عنصرًا منفصلًا عنه.

الرسم والتقنيات غير التقليدية

إلى جانب النحت، مارس آدم حنين فن الرسم بأسلوب مختلف عن السائد، حيث ابتعد عن التقنيات التقليدية في استخدام الألوان الزيتية، واتجه إلى إحياء تقنيات قديمة مثل الرسم على أوراق البردي باستخدام أصباغ طبيعية ممزوجة بالصمغ العربي، وكذلك الرسم على الجص بأساليب تراثية تعكس اهتمامه بإعادة إحياء الحرف الفنية القديمة.

كما اتسمت أعماله في الرسم بوضوح التكوين وبساطة الشكل وعمق التعبير، حيث حافظ على الحس النحتي حتى في أعماله ثنائية الأبعاد، ما جعل الحدود بين النحت والرسم في تجربته الفنية غير واضحة بشكل تقليدي، بل متداخلة ضمن رؤية تشكيلية واحدة.

المعارض الدولية والحضور الفني

شارك آدم حنين في عدد كبير من المعارض الفردية والجماعية داخل مصر وخارجها، حيث عرضت أعماله في القاهرة والإسكندرية، كما امتد حضوره إلى عواصم أوروبية مثل باريس ولندن وروما وأمستردام، إضافة إلى مشاركاته في معارض دولية كبرى ومراكز فنية مرموقة، ما ساهم في ترسيخ مكانته كأحد أهم الفنانين التشكيليين في العالم العربي.

وشهدت الثمانينيات والتسعينيات نشاطًا فنيًا مكثفًا له على المستوى الدولي، حيث شارك في معارض بالأكاديمية المصرية في روما، والمركز الثقافي المصري في باريس، ومعهد العالم العربي، إضافة إلى عرض أعماله في متحف المتروبوليتان للفن الحديث في نيويورك، ما عزز من حضوره في المشهد الفني العالمي.

الجوائز والتكريمات

حصل الفنان الراحل على العديد من الجوائز والتكريمات التي تعكس قيمة تجربته الفنية، من بينها جائزة الدولة التقديرية في الفنون عام 1998، وجائزة مبارك للفنون عام 2004، إلى جانب تكريمات أخرى في معارض ومؤسسات ثقافية داخل مصر، فضلًا عن مشاركته في فعاليات تكريمية متعددة خلال مسيرته الفنية الطويلة.

الرحيل 

رحل آدم حنين في 22 مايو عام 2020 عن عمر ناهز 91 عامًا، بعد مسيرة فنية امتدت لعقود طويلة، ترك خلالها إرثًا بصريًا وفكريًا متنوعًا يشمل أعمالًا نحتية ورسمية ومشروعات ثقافية كبرى، لا تزال حاضرة في المتاحف والساحات العامة داخل مصر وخارجها، وتشكل جزءًا مهمًا من ذاكرة الفن التشكيلي الحديث في المنطقة.

ويستمر تأثيره من خلال الأجيال الجديدة من الفنانين الذين تأثروا برؤيته القائمة على اختزال الشكل، والبحث عن الجوهر الإنساني داخل العمل الفني، بما جعل اسمه واحدًا من أبرز رموز النحت في التاريخ الفني المصري الحديث.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء