الشعر العربي المعاصر ولغة الترفيه يتصدران جلسات ملتقى غرب ووسط الدلتا
شهدت المدينة الشبابية بأبي قير في محافظة الإسكندرية انعقاد الجلسة البحثية الثانية ضمن فعاليات الملتقى الأدبي الرابع والعشرين لإقليم غرب ووسط الدلتا الثقافي، والذي يأتي هذا العام تحت عنوان "تحديات التلقي وآليات التجديد.. أدب الإقليم نموذجًا"، في دورة الشاعر الراحل الدكتور فوزي خضر، وذلك برعاية وزارة الثقافة ومحافظة الإسكندرية، وتنظيم الهيئة العامة لقصور الثقافة في إطار جهودها لدعم الحراك الأدبي في الأقاليم الثقافية.
وتناول الباحث د. محمود عسران في ورقته البحثية الأولى بعنوان "الشعر العربي المعاصر بين آفاق التجديد وتحديات التلقي" ملامح التطور في القصيدة العربية الحديثة من حيث الشكل والمضمون، مشيرًا إلى تنوع التجارب الشعرية داخل إقليم غرب ووسط الدلتا، وما شهدته من تنوع بين القصيدة العمودية والتفعيلة والنصوص الشعرية الحديثة القائمة على السطر الشعري والتجريب البصري والدلالي، مع إبراز حضور التقنيات الفنية الجديدة مثل التداخل الأجناسي وبروز البعد الدرامي وإعادة توظيف التراث في سياقات معاصرة.
هندسة القصيدة وآفاق التجديد في التجربة الشعرية المعاصرة
وأوضح الباحث أن حركة التجديد داخل الشعر العربي لم تعد مقتصرة على الشكل فقط، بل امتدت إلى بناء النص نفسه، من خلال ما وصفه بـ"هندسة القصيد" وتوظيف الفراغ البصري والدلالي داخل النص، إلى جانب التكثيف اللغوي وتعدد مستويات القراءة، وهو ما ظهر في عدد من التجارب الشعرية الحديثة داخل الإقليم، والتي سعت إلى خلق حالة من التوازن بين الأصالة والتجديد، مع الحفاظ على روح الشعر العربي التقليدي في بنية حديثة أكثر انفتاحًا على التجريب.
كما أشار إلى أن من أبرز مظاهر التجديد ما يُعرف بانصهار الأفق الشعري عبر دمج الموروث بالحداثة، وإعادة إنتاج النصوص من خلال تقنيات لغوية وبصرية جديدة، بما يعكس تطورًا في أدوات الشاعر العربي المعاصر وقدرته على التفاعل مع التحولات الثقافية والجمالية.
تحديات التلقي بين الناقد والقارئ
وتطرق البحث إلى تحديات التلقي التي تواجه النقد الأدبي المعاصر، موضحًا أن من أبرزها التنميط النقدي الذي قد يحد من قدرة الناقد على استيعاب النصوص التجريبية، إضافة إلى صعوبة كسر أفق توقع القارئ التقليدي، فضلًا عن التحديات المرتبطة بالبناء الزمني للنص الشعري الحديث الذي يميل إلى التفكيك وإعادة التشكيل.
كما تناول التحديات التي يواجهها القارئ العادي، ومنها ضعف التذوق النقدي واتساع الفجوة الجمالية بين النص والمتلقي، نتيجة تعقيد بعض النصوص الحديثة، إلى جانب تراجع معدلات القراءة بسبب عوامل اقتصادية وانتشار الوسائط الرقمية، وهو ما يؤثر على علاقة المتلقي بالكتاب الورقي بشكل مباشر.
استراتيجية لغة الترفيه في شعر العامية
وفي ورقة بحثية ثانية، قدم الباحث المغربي رشيد مداخلة بعنوان "استراتيجية لغة الترفيه في نماذج من عامية الإقليم"، تناول خلالها مفهوم الترفيه في اللغة الشعرية، موضحًا الفرق بين الترفيه كحالة لغوية تقوم على التنوع والتخفيف والتعبير الطريف، وبين الاستراتيجية بوصفها رؤية فنية واعية تهدف إلى بناء خطاب إبداعي مؤثر.
واستعرض الباحث عددًا من النماذج الشعرية العامية داخل الإقليم، مشيرًا إلى أن شعراء العامية استطاعوا توظيف الأمثال الشعبية واللغة اليومية في بناء نصوص تعتمد على الترفيه الجمالي، مع الحفاظ على البنية الموسيقية والإيقاع الداخلي للنص، بما يعكس قدرة الشعر العامي على الجمع بين البساطة والعمق في آن واحد.
وشهدت فعاليات الملتقى أيضًا تنظيم أمسية شعرية أدارها الشاعر فوزي عبد الغفار، وتضمنت قراءات شعرية تنوعت بين الفصحى والعامية، من بينها نصوص تناولت موضوعات الوداع والإنسان والحرية والتجربة الذاتية، بمشاركة عدد من الشعراء من بينهم محمود رمزي وأحمد زايد وأماني العطار وإبراهيم زهران وغيرهم، وسط تفاعل كبير من الحضور.
كما أقيمت أمسية قصصية أدارها الشاعر أشرف المالكي، تناولت نشأة القصة القصيرة وتطورها، من خلال مداخلات نقدية وأدبية حول تجارب عدد من الكتاب، ومنهم الأديب محمود تيمور، مع مناقشة مجموعة من الأعمال السردية الحديثة التي تعكس تنوع التجربة القصصية في الأقاليم الثقافية.
ويستمر الملتقى الأدبي ضمن خطة إقليم غرب ووسط الدلتا الثقافي بالتعاون مع الإدارة العامة للثقافة العامة، التابعة لقطاع الشئون الثقافية، حيث يتضمن جلسات بحثية وأمسيات شعرية وقصصية، إضافة إلى جلسة شهادات إبداعية، على أن تُختتم الفعاليات بجلسة التوصيات النهائية التي تناقش أبرز ما تم طرحه خلال أيام الملتقى من رؤى وأفكار حول تطوير المشهد الأدبي في الأقاليم الثقافية.