محمد عبدالرحمن يكتب: الاقتصاد لا يتأثر بالأرقام فقط بل باللغة التي نصف بها
حين يتحدث مسؤول رفيع المستوى عن الدين العام أو عن مناخ الاستثمار، فإن كلماته ليست مجرد تصريحات عابرة بل إشارات يقرأها المستثمرون والمواطنون على حد سواء، نائب رئيس الوزراء حسين عيسى وصف وضع الدين العام بـ "المأساوي"، وأعطى مناخ الاستثمار تقييمًا لا يتجاوز 4 من 10.
قد يكون التوصيف واقعيًا من الزاوية الاقتصادية، لكنه يفتح بابًا مهمًا للنقاش عن تأثير الكلمة على الاقتصاد والأسواق، ومتى يصبح الصدق في التوصيف في بعض الأحيان عبئًا إذا لم يصاغ في التوقيت والسياق المناسب؟
النظريات الاقتصادية تجمع أن الأسواق لا تتحرك فقط بالأرقام بل أيضًا بالتوقعات، أي تصريح يحمل نبرة سلبية قد يخلق حالة من القلق حتى لو كانت المؤشرات الرسمية إيجابية.
من المهم أن يدرك أي مسؤول في الحكومة مهما كان منصبه الفني أو تخصصه المهني، فهو قبل كل شيء يحمل منصبًا سياسيًا يتحمل من خلاله مسؤوليات التأثير على السياسات العامة وآثار واسعة على الاقتصاد والمجتمع، فالمسؤول لا يتحدث فقط كخبير في مجاله بل كجهة تمثل الحكومة وهو ما يجعل كل تصريح له أبعادًا أكبر من كونه مجرد تعليق فني.
أيها السادة السياسة ليست مجرد إدارة أرقام بل إدارة خطاب، فالمعلومات الاقتصادية تشبه "العملة النفسية" التي يتداولها الناس في الأسواق، وحين قيل إن الوضع مأساوي، فإن الرسالة تصل إلى المستثمر على أنها تحذير، حتى لو كانت هناك خطط إصلاحية جادة، لذلك، السؤال ليس فقط "ماذا نقول؟"، بل "كيف نقول؟ وأين ومتى؟".
جميعًا نعرف الخلفية الاكاديمة للدكتور حسين عيسى، رجل أكاديمي من الطراز الرفيع يتحدث بلغة الأرقام والحقائق، لكن السياسة تحتاج إلى موازنة بين الصراحة والقدرة على بث الثقة، فالمستثمر يبحث عن وضوح، لكنه أيضًا يبحث عن طمأنينة، والمواطن يريد أن يعرف الحقيقة، لكنه لا يريد أن يعيش في ظل خطاب يضاعف قلقه.
أيها السادة في النهاية، يمكنني أن أقول إن إدارة أزمة الديون ليست فقط في السياسات المالية، بل أيضًا في إدارة الخطاب العام فالمعلومة الاقتصادية إذا لم تدار بحكمة، قد تتحول من أداة إصلاح إلى أداة إرباك، والمطلوب اليوم هو أن نبقي على الصراحة لكن نصوغها بلغة تمنح الثقة، لأن حماية الاقتصاد تبدأ من حماية ثقة الناس فيه.