السوشيال ميديا والترندات المفتعلة.. سلاح جديد للترويج للأعمال الفنية
لم تعد الحملات الإعلانية التقليدية وحدها كافية لضمان نجاح الأعمال الفنية، بعدما فرضت مواقع التواصل الاجتماعي نفسها كواحدة من أقوى أدوات التأثير والترويج في عالم الفن. وخلال السنوات الأخيرة، تحولت منصات مثل إنستجرام وتيك توك وفيسبوك وإكس إلى ساحات رئيسية لصناعة “الترند”، الذي بات قادرًا على رفع أسهم فيلم أو مسلسل أو أغنية قبل عرضها، أو حتى إنقاذ أعمال لم تحقق صدى جماهيريًا في البداية.
ومع اشتداد المنافسة بين شركات الإنتاج والمنصات الفنية، ظهرت ظاهرة “الترندات المفتعلة”، التي تعتمد على خلق حالة من الجدل أو الإثارة لجذب انتباه الجمهور وتحقيق انتشار سريع، سواء عبر تصريحات مثيرة أو أزمات متداولة أو تسريبات مقصودة أو حتى حملات منظمة عبر السوشيال ميديا.
السوشيال ميديا تغير قواعد اللعبة
في الماضي، كانت الدعاية الفنية تعتمد بشكل أساسي على الإعلانات التلفزيونية والحوارات الصحفية واللافتات في الشوارع، إلى جانب البروموهات الرسمية. لكن مع انتشار الهواتف الذكية والتطبيقات الرقمية، أصبح الجمهور يتلقى الأخبار الفنية لحظة بلحظة عبر مواقع التواصل، وهو ما دفع شركات الإنتاج إلى توجيه اهتمامها نحو المنصات الرقمية باعتبارها الأسرع وصولًا والأكثر تأثيرًا.
وأصبح قياس نجاح العمل الفني لا يعتمد فقط على الإيرادات أو نسب المشاهدة، بل أيضًا على حجم التفاعل الإلكتروني وعدد المشاركات والتعليقات، فضلًا عن تصدر “الهاشتاجات” لقوائم الترند.
كيف تُصنع الترندات المفتعلة؟
تلجأ بعض الجهات الفنية إلى خلق حالة من الجدل قبل طرح الأعمال الجديدة، باعتبار أن الجدل يضمن اهتمام الجمهور ووسائل الإعلام. وتتعدد الأساليب المستخدمة في ذلك، ومن أبرزها:
إثارة الخلافات بين النجوم
أصبحت الخلافات العلنية بين الفنانين واحدة من أكثر الوسائل استخدامًا لجذب الانتباه. ففي أوقات كثيرة، تنتشر تصريحات متبادلة أو منشورات غامضة عبر السوشيال ميديا، ما يدفع الجمهور للتفاعل والتخمين، قبل أن يتضح لاحقًا ارتباط الأمر بعمل فني جديد.
التسريبات المقصودة
تلجأ بعض الشركات إلى تسريب مشاهد أو صور من كواليس الأعمال الفنية بشكل غير مباشر، بهدف إثارة فضول الجمهور وتشجيعه على متابعة العمل عند عرضه.
صناعة الجدل حول المحتوى
أحيانًا يتم التركيز على مشهد مثير للجدل أو تصريح صادم لأحد الأبطال، ليصبح حديث الجمهور قبل عرض العمل بالكامل، وهو ما يمنحه دعاية مجانية واسعة.
استغلال المؤثرين وصناع المحتوى
تعتمد بعض الحملات الترويجية على التعاون مع مشاهير السوشيال ميديا والتيك توك، عبر تقديم تحديات أو مقاطع مرتبطة بالأغاني أو الأعمال الدرامية، بما يضمن انتشارها بين المستخدمين بسرعة كبيرة.
تيك توك.. اللاعب الأقوى في الترويج
خلال السنوات الأخيرة، أصبح تطبيق تيك توك واحدًا من أهم أدوات التسويق الفني، خاصة في عالم الغناء. فنجاح مقطع قصير لا يتجاوز عدة ثوانٍ قد يكون سببًا مباشرًا في انتشار أغنية كاملة وتحقيق ملايين المشاهدات.
ولم يعد الجمهور ينتظر الأغنية أو الفيلم بشكل تقليدي، بل أصبح يتفاعل أولًا مع “الترند”، سواء من خلال الرقصات أو إعادة استخدام المقاطع الصوتية أو تقليد مشاهد معينة من الأعمال الدرامية.
كما ساهمت خاصية “الريلز” على إنستجرام والفيديوهات القصيرة على فيسبوك ويوتيوب في تعزيز هذا الاتجاه، لتتحول الأعمال الفنية إلى محتوى سريع التداول يناسب طبيعة المنصات الحديثة.
الجمهور بين الانبهار والرفض
ورغم نجاح هذه الأساليب في تحقيق انتشار واسع، فإنها تواجه أيضًا انتقادات متزايدة من بعض المتابعين، الذين يرون أن التركيز على “الترند” أحيانًا يأتي على حساب جودة المحتوى نفسه.
ويعتقد كثيرون أن بعض الأعمال تعتمد على الضجة الإلكترونية أكثر من اعتمادها على القيمة الفنية، وهو ما يدفع الجمهور في بعض الأحيان إلى فقدان الثقة في الحملات الدعائية، خاصة إذا اكتشف أن الجدل كان مفتعلًا بشكل واضح.
وفي المقابل، يرى متخصصون في التسويق الرقمي أن هذه الأساليب أصبحت جزءًا طبيعيًا من تطور الصناعة الفنية، وأن الجمهور نفسه تغيرت طريقة استهلاكه للمحتوى، وأصبح أكثر انجذابًا لما يثير الجدل والتفاعل السريع.
هل يضمن الترند النجاح؟
ورغم قوة السوشيال ميديا، فإن الترند وحده لا يضمن استمرار النجاح. فهناك أعمال حققت ضجة ضخمة قبل عرضها، لكنها لم تنجح جماهيريًا بعد المشاهدة، في حين استطاعت أعمال أخرى أن تحقق نجاحًا حقيقيًا بسبب جودتها، حتى دون حملات مثيرة للجدل.
ويرى نقاد أن السوشيال ميديا يمكن أن تكون وسيلة فعالة لجذب الانتباه، لكنها لا تستطيع وحدها صناعة عمل ناجح يعيش طويلًا في ذاكرة الجمهور، مؤكدين أن المحتوى الجيد يظل العامل الأهم مهما تغيرت أدوات الدعاية.
مستقبل الدعاية الفنية في عصر المنصات الرقمية
مع التطور المستمر للتكنولوجيا، يبدو أن صناعة الترفيه تتجه بشكل متزايد نحو الاعتماد على المنصات الرقمية في الترويج والتسويق. ولم يعد السؤال الرئيسي: “هل العمل الفني جيد؟”، بل أصبح أيضًا: “هل استطاع أن يثير الجدل ويصنع حالة على السوشيال ميديا؟”.
وفي ظل هذا التحول، يتوقع خبراء الإعلام أن تصبح الحملات الدعائية أكثر اعتمادًا على الذكاء الاصطناعي وتحليل اهتمامات الجمهور، إلى جانب توظيف المؤثرين والترندات بشكل أكبر، ما يجعل المنافسة في عالم الفن مرتبطة ليس فقط بالإبداع، ولكن أيضًا بالقدرة على جذب الانتباه وسط زحام المحتوى الرقمي اليومي.
وفاة مفاجئة” تتحول إلى دعاية
من أبرز الأمثلة التي أثارت جدلًا واسعًا، ما حدث مع حفيدة المطرب الشعبي الراحل شعبان عبدالرحيم، بعدما تم نشر منشور عبر السوشيال ميديا يفيد بوفاة ابنته، ما أثار صدمة كبيرة وتفاعلًا واسعًا بين المتابعين.
لكن بعد ساعات، تبيّن أن الأمر لم يكن حقيقيًا، وأن الهدف من المنشور كان لفت الانتباه إلى إحدى حفيداته ومحاولة تصديرها للسوشيال ميديا، على غرار الشهرة التي حققتها شقيقتها الأخرى. الواقعة فتحت بابًا واسعًا للنقاش حول استخدام الأخبار الصادمة كوسيلة لصناعة الترند وتحقيق الانتشار السريع.
“الصعايدة بالجلاليب”.. ترند دعائي لفيلم
ومن الأمثلة التي أثارت ضجة أيضًا، الترند المتعلق بمجموعة من الرجال الذين ظهروا وهم يرتدون الجلاليب ويحاولون دخول إحدى دور السينما داخل فندق، قبل أن يتم تداول روايات تفيد بمنعهم بسبب ملابسهم.
الواقعة أثارت حالة كبيرة من الجدل والغضب على مواقع التواصل، قبل أن يكتشف الجمهور لاحقًا أن الأمر كان جزءًا من حملة دعائية للترويج لفيلم «أسد» للفنان محمد رمضان، وهو ما دفع البعض لاعتبار الواقعة نموذجًا واضحًا لاستخدام “الترند المفتعل” في التسويق السينمائي.
“اللجان الإلكترونية” في منافسات رمضان
ولم تتوقف الظاهرة عند حدود الترويج فقط، بل امتدت أيضًا إلى استخدام السوشيال ميديا كسلاح في المنافسة بين الأعمال الفنية، خاصة خلال موسم دراما رمضان.
ومن بين الأمثلة التي تم تداولها بقوة، الحديث عن وجود حملات إلكترونية من بعض الصفحات المحسوبة على جمهور الفنان أحمد العوضي، للهجوم على مسلسل الفنانة ياسمين عبدالعزيز خلال موسم رمضان، بهدف التقليل من نجاحه ورفع نسب التفاعل حول مسلسل العوضي في المقابل.
وشهدت مواقع التواصل وقتها حالة من الجدل الكبير، مع تبادل الاتهامات بين جمهور النجمين، في مشهد يعكس كيف أصبحت “اللجان الإلكترونية” جزءًا من المنافسة الفنية ومحاولة التأثير على الرأي العام الرقمي.