رحلة قلم مؤثر.. محمد التابعي من روزاليوسف إلى آخر ساعة
تمر اليوم ذكرى ميلاد الكاتب الصحفي محمد التابعي، أحد أبرز رواد الصحافة المصرية في القرن العشرين، الذي ارتبط اسمه بالكتابة الجريئة والنقد المباشر للسلطة والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وترك إرثًا صحفيًا ممتدًا من المقالات والتحليلات التي شكلت وعيًا عامًا تجاه قضايا المجتمع والسياسة، وما زال تأثيرها حاضرًا حتى اليوم في المشهد الصحفي العربي.
نشأة مبكرة ومسار قانوني اتجه إلى الصحافة
وُلد محمد التابعي عام 1896، وتخرج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1923، قبل أن يبدأ مسيرته العملية في مجال الترجمة داخل مجلس النواب، وهو المسار الذي مهّد انتقاله لاحقًا إلى عالم الصحافة، حيث وجد في الكتابة مساحة أوسع للتعبير عن رؤيته للأحداث وتحليل الواقع السياسي والاجتماعي، ليصبح واحدًا من أبرز الأصوات الصحفية في تلك المرحلة.
من الأهرام إلى تأسيس مدارس صحفية مؤثرة
بدأ التابعي مشواره الصحفي بالكتابة في جريدة الأهرام تحت توقيع «حندس»، ثم انتقل إلى مجلة «روز اليوسف» بعد أن شارك في تأسيسها، حيث كتب فيها مقالات سياسية واجتماعية لافتة، قبل أن يؤسس مجلة «آخر ساعة» عام 1934، التي أصبحت منصة مهمة لكتاباته النقدية، إلى جانب مساهمته في تأسيس جريدة «المصري» عام 1936، ما جعله حاضرًا في أكثر من تجربة صحفية مؤثرة.
«كلام في كلام»
وفي عام 1950، كتب التابعي مقاله الشهير «كلام في كلام» في مجلة «آخر ساعة»، خلال فترة شهدت أزمة اقتصادية حادة انعكست على مختلف جوانب الحياة اليومية في مصر، حيث ارتفعت أسعار السلع الأساسية بشكل ملحوظ، وتزايدت الضغوط المعيشية على المواطنين، وهو ما دفع الكاتب إلى تناول الواقع الاقتصادي بنبرة نقدية ساخرة تكشف الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الفعلي.
وعود حكومية متكررة وواقع اقتصادي مختلف
توقف التابعي في مقاله عند تكرار الخطاب الحكومي الذي يتحدث عن رفع مستوى المعيشة، ومكافحة الفقر والجهل والمرض، وتقليل الفوارق بين الطبقات، إلا أنه أشار إلى أن هذه الوعود ظلت في إطار التصريحات العامة دون انعكاس حقيقي على حياة المواطنين، في ظل استمرار ارتفاع الأسعار وتزايد الأعباء الاقتصادية، ما جعل الفجوة بين القول والتنفيذ محورًا رئيسيًا في نقده.
الغلاء بين أرقام الواقع وتبريرات المسؤولين
اعتمد التابعي أسلوبًا ساخرًا في رصد أزمة الغلاء، مستشهدًا بارتفاع أسعار السلع الأساسية بشكل سريع، ومنها الخضروات التي شهدت زيادات متتالية خلال فترة قصيرة، كما تناول التناقض في التفسيرات الرسمية لأسباب الأزمة، بين من يرجعها إلى أسعار القطن أو سعر العملة أو حجم النقد المتداول، معتبرًا أن هذا التضارب يعكس غياب رؤية اقتصادية واضحة ومتكاملة.
دعوة إلى تشخيص علمي للأزمة الاقتصادية
شدد الكاتب في مقاله على ضرورة أن يتفق المسؤولون والخبراء على تشخيص دقيق لأسباب الأزمة الاقتصادية، تمهيدًا لوضع حلول عملية قابلة للتطبيق، بدلًا من الاكتفاء بتعدد التبريرات والآراء المتناقضة، مؤكدًا أن غياب التشخيص العلمي للأزمة يؤدي إلى استمرارها دون حلول جذرية، ويزيد من معاناة المواطنين.