صقر قريش الهارب.. كيف أسس عبد الرحمن الداخل دولة أموية في الأندلس؟
تمر اليوم الذكرى الـ1270 لبيعة عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك، مؤسس الخلافة الأموية في الأندلس، وذلك في 18 مايو عام 756م، وهو المعروف بلقب «صقر قريش» و«عبد الرحمن الداخل» او«عبد الرحمن الأول».
ويعد عبد الرحمن الداخل المؤسس الفعلي للدولة الأموية في الأندلس، حيث تمكن من تأسيسها عام 138 هـ، بعد رحلة فرار طويلة من الشام إلى الأندلس استمرت نحو ست سنوات، عقب سقوط الدولة الأموية في دمشق عام 132 هـ، وما تبعه من ملاحقة العباسيين لأمراء بني أمية وقتلهم في عدد من الأقاليم.
الوصول إلى الأندلس وبداية مشروع الحكم
بعد هذه الرحلة الطويلة وصل عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس، حيث وجد بيئة سياسية مضطربة تعاني من صراعات داخلية بين القوى المحلية، وكان والي الأندلس في ذلك الوقت يوسف بن عبد الرحمن الفهري، ومع مرور الوقت استطاع عبد الرحمن الداخل أن ينسج علاقات مع أنصار بني أمية وبعض القوى المتعاطفة معهم، ثم بدأ في الإعداد لمشروع سياسي وعسكري هدفه السيطرة على الحكم، حتى دخل في مواجهة مباشرة مع الفهري انتهت بفرض سيطرته على الأوضاع، وأخذ البيعة له ليصبح مؤسس الدولة الأموية في الأندلس عام 138 هـ / 756 م.
تثبيت الحكم ومواجهة الثورات الداخلية
بعد توليه الحكم واجه عبد الرحمن الداخل عددًا كبيرًا من التحديات الداخلية، حيث اندلعت في عهده ثورات وتمردات متعددة داخل الأندلس تجاوز عددها خمسًا وعشرين ثورة، شملت مناطق وقوى مختلفة كانت تسعى للانفصال أو تغيير السلطة، ورغم ذلك استطاع الداخل التعامل مع هذه التحركات وإخمادها تدريجيًا، مما ساعده على تثبيت أركان الدولة الجديدة وتعزيز وجودها السياسي والعسكري في الأندلس، وتحويلها من كيان ناشئ إلى دولة مستقرة نسبيًا مقارنة بظروف نشأتها.
ترسيخ الدولة واستمرار الحكم
استمر حكم عبد الرحمن الداخل للأندلس قرابة ثلاثة وثلاثين عامًا، وخلال هذه الفترة تمكن من ترسيخ دعائم الحكم الأموي في الغرب الإسلامي، حيث امتد نفوذ الدولة التي أسسها لتصبح نواة لحكم أموي استمر لاحقًا في الأندلس لما يقارب أربعمائة عام في نسل أبنائه وخلفائه، ما جعل التجربة السياسية التي بدأها في ظروف الهروب والتحول إلى مشروع دولة ممتد الأثر عبر قرون طويلة.
طبيعة الحكم والتعامل مع المجتمع
اعتمد عبد الرحمن الداخل في حكمه على أسلوب إداري وسياسي يقوم على تثبيت الاستقرار الداخلي وتجنب الفوضى، كما لم يتخذ لنفسه لقب الخليفة، واكتفى بلقب “الأمير”، وهو ما استمر في ذريته لفترة طويلة، كما تعامل مع مكونات المجتمع الأندلسي المختلفة، بما في ذلك غير المسلمين، عبر ترتيبات سياسية وتنظيمية تضمنت منحهم قدرًا من الأمان مقابل التزامات مالية وسياسية، بما ساهم في تنظيم العلاقة بين السلطة والمجتمع داخل الدولة الناشئة.