رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

كيف مهد صراع المماليك والعثمانيين الطريق لوصول محمد علي للحكم؟

محمد على باشا
محمد على باشا

تمر ذكرى تولي محمد علي باشا حكم مصر في 17 مايو 1805، وهي اللحظة التي شكلت نقطة تحول فارقة في تاريخ الدولة المصرية الحديثة، بعدما نجح القائد الألباني في استغلال حالة الفوضى السياسية والصراع بين المماليك والعثمانيين، ليصعد تدريجيًا إلى سدة الحكم ويؤسس لاحقًا دولة قوية غيرت وجه المنطقة.

خروج الحملة الفرنسية وبداية الفوضى

بعد جلاء الحملة الفرنسية عن مصر عام 1801، دخلت البلاد مرحلة من الاضطراب السياسي والصراع على السلطة، حيث سعى المماليك لاستعادة نفوذهم القديم، بينما حاول الباب العالي فرض سيطرته الكاملة على مصر وإقصاء المماليك نهائيًا.

وبحسب كتاب "تاريخ مصر من الفتح العثماني إلى قبيل الوقت الحاضر" لعمر الإسكندري وسليم حسن، فإن الصدام بدأ مبكرًا بين العثمانيين والمماليك، خاصة بعد محاولة القبطان حسين باشا استدراج كبار البكوات إلى معسكر بوقير بحجة التفاوض، قبل أن يتحول اللقاء إلى محاولة للتخلص منهم، ما أشعل نار العداء بين الطرفين.

خسرو باشا يفشل في السيطرة على البلاد

عقب تلك الأحداث تولى خسرو باشا حكم مصر عام 1801 بدعم من الدولة العثمانية، لكنه واجه أوضاعًا شديدة التعقيد، في ظل قوة المماليك العسكرية ونفوذهم داخل الأقاليم المصرية.

وفشل خسرو في القضاء على المماليك، رغم إرساله حملات عسكرية متتالية، كان من بينها قوات يقودها محمد علي، الذي بدأ اسمه يبرز داخل صفوف الجنود الألبان. ومع تكرار الهزائم، تفاقمت الأزمة المالية وتأخرت رواتب الجنود، ما أدى إلى تمرد واسع داخل القاهرة.

طاهر باشا والاغتيال السريع

مع تصاعد الفوضى، اضطر خسرو باشا إلى الفرار من القاهرة، ليتولى طاهر باشا، قائد الألبانيين، زمام الأمور بشكل مؤقت عام 1803، بعد موافقة العلماء وكبار رجال الدولة.

لكن الأزمة المالية ظلت قائمة، ولم يتمكن طاهر باشا من دفع رواتب الجنود، لينتهي حكمه سريعًا بعد اغتياله على يد اثنين من الضباط، لتبدأ مرحلة جديدة صعد خلالها محمد علي إلى واجهة المشهد السياسي والعسكري.

محمد علي يتحالف مع المماليك

بعد مقتل طاهر باشا، أصبح محمد علي قائدًا فعليًا للألبانيين، لكنه أدرك صعوبة الانفراد بالحكم في ظل قوة المماليك، فتحالف مع عثمان بك البرديسي وإبراهيم بك الكبير، وتمكنوا معًا من طرد الإنكشارية وإحكام السيطرة على القاهرة.

وخلال تلك الفترة أظهر محمد علي قدرًا كبيرًا من الدهاء السياسي، حيث حافظ على علاقات متوازنة مع القوى المختلفة، بينما كان يعمل بهدوء على تعزيز نفوذه داخل العاصمة وكسب دعم الأهالي والعلماء.

الألفي والبرديسي

شهدت مصر بعد ذلك عودة محمد بك الألفي من إنجلترا، ساعيًا لتوحيد المماليك تحت حمايته بدعم بريطاني، لكن الصراعات الداخلية بين المماليك أضعفتهم بشدة.

واستغل محمد علي هذه الانقسامات بذكاء، فساند البرديسي في مواجهة الألفي، قبل أن ينقلب لاحقًا على البرديسي نفسه، مستفيدًا من غضب الأهالي بسبب الضرائب الباهظة التي فرضها المماليك على السكان.

كسب الشارع المصري

مع تصاعد السخط الشعبي، قدم محمد علي نفسه حاميًا للأهالي من ظلم الجند والمماليك، ونجح في كسب تأييد العلماء والتجار والعامة، خاصة بعدما منع جنوده الألبان من نهب السكان، على عكس بقية الفرق العسكرية.

وفي مارس 1804، تحرك محمد علي ضد البرديسي، وتمكن من محاصرته وإجباره على الفرار إلى الشام، ليصبح الرجل الأقوى فعليًا داخل القاهرة.

خورشيد باشا يفقد السيطرة

أرسل الباب العالي أحمد خورشيد باشا واليًا جديدًا على مصر، لكن الأوضاع ازدادت سوءًا بسبب فشل الوالي في السيطرة على الجنود الأتراك والدلاة، الذين مارسوا السلب والنهب بحق الأهالي.

وفي المقابل، واصل محمد علي تعزيز صورته كحامٍ للمصريين، حتى التف حوله كبار العلماء وعلى رأسهم الشيخ عبد الله الشرقاوي والسيد عمر مكرم نقيب الأشراف.

الشعب والعلماء يختارون محمد علي واليًا

مع تفاقم الفوضى، خرج الأهالي والعلماء مطالبين بعزل خورشيد باشا وتولية محمد علي حكم مصر. وحاصر محمد علي القلعة التي تحصن بها خورشيد، بينما اجتمع العلماء وقرروا تنصيبه واليًا على البلاد في مايو 1805.

وقام الشيخ الشرقاوي والسيد عمر مكرم بإلباسه "الكرك" إيذانًا بتوليه الحكم، في مشهد عكس لأول مرة دور الإرادة الشعبية والعلماء في اختيار والي مصر.

اعتراف الباب العالي بحكم محمد علي

أمام التأييد الشعبي الواسع لمحمد علي، اضطر السلطان العثماني إلى الاعتراف رسميًا بولايته على مصر عام 1805، بينما غادر خورشيد باشا القلعة، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة في تاريخ مصر الحديث.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء