في ذكرى رحيل فطين عبد الوهاب.. موهبة صنعت العصر الذهبي للكوميديا الراقية
تحل اليوم، ذكرى وفاة المخرج الكبير فطين عبد الوهاب، أحد أبرز صناع الكوميديا في تاريخ السينما، والذي ترك بصمة فنية استثنائية جعلته واحدا من أهم المخرجين الذين أسهموا في تشكيل الوجدان السينمائي للمشاهد المصري والعربي.
وبرغم رحيله في 12 مايو 1972، فإن أعماله ما زالت حاضرة بقوة، باعتبارها نموذجا للكوميديا الراقية التي جمعت بين البساطة والذكاء والسخرية الاجتماعية.
البدايات

ولد فطين منير عبد الوهاب في مدينة دمياط عام 1913، وسط أسرة مهتمة بالثقافة والفن، فهو شقيق الفنان سراج منير والمخرج والناقد حسن عبد الوهاب، التحق في بداية حياته بعدة كليات، من بينها الزراعة والفنون الجميلة، قبل أن يعمل في وزارة الداخلية بقسم الجوازات، ثم التحق بالكلية الحربية ضمن دفعة ضباط الاحتياط عام 1939، وظل في الجيش حتى عام 1944 برتبة يوزباشي.
لكن شغفه الحقيقي كان السينما، فبدأ العمل كمساعد إنتاج ثم كملاحظ سيناريو، قبل أن يصبح مساعد مخرج مع عدد من كبار المخرجين، مثل أحمد سالم وحسن حلمي ومحمود ذو الفقار، وهي المرحلة التي كونت شخصيته الفنية ورسخت فهمه العميق للسينما.
الانطلاق نحو عالم الإخراج
بدأ فطين عبد الوهاب رحلته الحقيقية مع الإخراج في أواخر الأربعينيات، لكن انطلاقته القوية جاءت مع فيلم بيت الأشباح الذي حقق نجاحا جماهيريا لافتا، وتميز بأسلوب خاص اعتمد على الإيقاع السريع والمواقف الكوميدية الذكية والابتعاد عن الابتذال، ما جعله يحظى بثقة كبار النجوم والمنتجين.
شراكته الذهبية مع إسماعيل ياسين
ارتبط اسم فطين عبد الوهاب ارتباطا وثيقا بالفنان إسماعيل ياسين، حيث شكلا معا واحدة من أنجح الثنائيات في تاريخ السينما المصرية، أخرج له سلسلة من الأفلام التي أصبحت علامات خالدة في ذاكرة الجمهور، أبرزها "إسماعيل يس في الأسطول" و"إسماعيل يس في الطيران" و"ابن حميدو".
واستطاع فطين أن يقدم إسماعيل ياسين بصورة مختلفة، معتمدا على الكوميديا القائمة على الموقف والسيناريو المحكم، وليس فقط الإفيهات التقليدية، وهو ما منح تلك الأعمال قيمة فنية استمرت لعقود طويلة، كما نجح في توظيف النجوم المحيطين بالبطل، ليصنع حالة جماعية مميزة داخل كل فيلم.
"إشاعة حب" .. أيقونة الرومانسية والكوميديا

يعد فيلم إشاعة حب من أهم أعمال فطين عبد الوهاب وأكثرها خلودا، إذ جمع بين الرومانسية والكوميديا في توليفة فنية متقنة، الفيلم الذي قام ببطولته عمر الشريف وسعاد حسني ويوسف وهبي، ما زال حتى اليوم واحدا من أكثر الأفلام مشاهدة في تاريخ السينما المصرية.
وتميز الفيلم بحوار ذكي ومواقف كوميدية راقية، إضافة إلى قدرة فطين على إدارة الممثلين وصناعة إيقاع ممتع حافظ على بريق العمل حتى الآن، ويعتبره كثير من النقاد مدرسة متكاملة في الكوميديا الرومانسية.
"الزوجة 13"
واصل فطين عبد الوهاب نجاحاته من خلال أفلام ناقشت العلاقات الاجتماعية بصورة ساخرة وخفيفة، ومن أبرزها الزوجة 13 بطولة رشدي أباظة وشادية، وقدم الفيلم كوميديا اجتماعية جريئة تناولت العلاقات الزوجية بصورة مختلفة، ونجح في تحقيق جماهيرية واسعة داخل مصر وخارجها.
ووصل نجاح الفيلم إلى العالمية بعدما شارك في مهرجان برلين السينمائي، وهو ما أكد مكانة فطين عبد الوهاب كمخرج يمتلك رؤية سينمائية متطورة تتجاوز حدود الكوميديا التقليدية.
تنوع فني وقدرة على صناعة النجوم
لم يكن فطين عبد الوهاب مجرد مخرج كوميدي، بل كان صاحب قدرة كبيرة على اكتشاف الطاقات الفنية وتقديم النجوم بصورة جديدة، فقد تعاون مع كبار الفنانين مثل عبد الحليم حافظ وأحمد رمزي وليلى مراد، ونجح في تقديم أعمال جمعت بين الكوميديا والاستعراض والرومانسية.
ومن أبرز أفلامه أيضا "الآنسة حنفي" و"أضواء المدينة" و"آه من حواء" و"مراتي مدير عام" و"عفريت مرتي" و"صاحب الجلالة"، وهي أعمال كشفت عن مخرج يمتلك حسا بصريا وقدرة على تقديم الترفيه دون أن يفقد العمل قيمته الفنية.
حياته الشخصية وعلاقته بليلى مراد
ارتبط فطين عبد الوهاب بالفنانة ليلى مراد، وشكلا ثنائيا شهيرا في الوسط الفني، وأثمر زواجهما عن ابنهما الفنان والمخرج الراحل زكي فطين عبد الوهاب، الذي سار على خطى والده في مجال السينما والإخراج.
ورحل فطين عبد الوهاب في مايو 1972 إثر أزمة قلبية مفاجئة، لكنه ترك وراءه إرثا سينمائيا ضخما يضم أكثر من خمسين فيلما، ما زالت تعرض باستمرار وتحظى بنفس الحب من أجيال متعاقبة. ويظل اسمه حاضرا باعتباره أحد أهم من صنعوا الكوميديا المصرية الحديثة، وأحد المخرجين الذين نجحوا في تحويل الضحك إلى فن راق يعيش طويلا.