رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

رائدة تعليم النساء .. محطات في حياة سهير القلماوي في ذكرى رحيلها

سهير القلماوي
سهير القلماوي

تحل في مثل هذا اليوم، 4 مايو 1911 ، ذكرى رحيل الدكتورة سهير القلماوي ، إحدى أبرز رائدات الأدب والثقافة في مصر والعالم العربي، والتي عرفت بلقب "أستاذة الأجيال"، لما قدمته من إسهامات عميقة في مجالات الأدب والنقد والعمل الثقافي، لم تكن القلماوي مجرد أديبة تقليدية، بل كانت نموذجًا استثنائيًا للمرأة التي واجهت قيود مجتمعها، ونجحت في اقتحام مجالات كانت حكرًا على الرجال، لتفتح الطريق أمام أجيال كاملة من النساء في التعليم والثقافة.

النشأة والبدايات

ولدت سهير القلماوي في مدينة طنطا عام 1911، في أسرة متعلمة، حيث كان والدها طبيبًا يؤمن بأهمية التعليم، وهو ما لعب دورًا حاسمًا في تشكيل وعيها المبكر، منذ طفولتها، أبدت ميلًا واضحًا للقراءة والمعرفة، غير أن طموحها في الالتحاق بالجامعة واجه عقبات كبيرة، في ظل مجتمع لم يكن يتقبل بسهولة فكرة تعليم الفتيات، خاصة في التعليم العالي.

وفي عام 1929، تمكنت من تحقيق إنجاز تاريخي، عندما أصبحت أول فتاة مصرية تلتحق بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليًا)، وهو حدث شكل نقطة تحول في مسار تعليم المرأة في مصر، كانت القلماوي الفتاة الوحيدة بين مجموعة من الطلاب الذكور، لكنها سرعان ما أثبتت تفوقها، متحدية النظرة التقليدية التي كانت تحيط بها.

تلميذة طه حسين

ارتبط اسم سهير القلماوي ارتباطًا وثيقًا بالأديب الكبير طه حسين، الذي كان له تأثير بالغ في مسيرتها العلمية والأدبية، فبعد أن تعذر التحاقها بكلية الطب، وجهها طه حسين إلى كلية الآداب، حيث درست اللغة العربية تحت إشرافه، ليصبح بمثابة الأب الروحي لها.

وبفضل هذا التوجيه، لم تكتفِ القلماوي بالدراسة، بل برزت كواحدة من أبرز طالبات قسم اللغة العربية، قبل أن تحقق إنجازًا جديدًا بحصولها على درجة الدكتوراه في الأدب العربي، لتصبح أول امرأة في مصر والعالم العربي تنال هذه الدرجة العلمية. وقد تناولت في رسالتها موضوع "ألف ليلة وليلة"، في دراسة نقدية رائدة عكست عمقها الفكري وقدرتها التحليلية.

مسيرة أكاديمية وثقافية حافلة

بعد حصولها على الدكتوراه، بدأت القلماوي مسيرة أكاديمية متميزة، حيث عُينت أستاذًا للأدب العربي الحديث بكلية الآداب، ثم تولت رئاسة قسم اللغة العربية، لتصبح واحدة من أبرز القيادات الأكاديمية في مصر في ذلك الوقت.

ولم تقتصر إسهاماتها على المجال الأكاديمي، بل امتدت إلى العمل الثقافي والمؤسسي، حيث لعبت دورًا محوريًا في تأسيس وتنظيم معرض القاهرة الدولي للكتاب، وكانت أول رئيس له عند انطلاقه عام 1969، وهو الحدث الذي تحول لاحقًا إلى واحد من أهم المعارض الثقافية في العالم العربي، كما تولت الإشراف على عدد من المؤسسات الثقافية، وأسهمت في نشر الثقافة والمعرفة، إيمانًا منها بدور الكتاب في بناء الوعي المجتمعي.

إنتاج أدبي متنوع.. بين النقد والإبداع

قدمت سهير القلماوي عددًا كبيرًا من المؤلفات التي تنوعت بين الدراسات النقدية والكتابات الإبداعية، ومن أبرز أعمالها: "أحاديث جدتي"، و"ألف ليلة وليلة"، و"أدب الخوارج"، و"الشياطين تلهو"، و"ثم غربت الشمس"، تميزت كتاباتها بالعمق والبساطة في آن واحد، حيث جمعت بين التحليل العلمي والأسلوب الأدبي السلس.

كما عملت في الصحافة، حيث بدأت محررة في مجلة الجامعة، ثم تولت رئاسة تحريرها، وكتبت في عدد من المجلات الثقافية البارزة، ما ساهم في توسيع دائرة تأثيرها الفكري.

تكريمات وإنجازات

حظيت القلماوي بتقدير واسع على المستويين المحلي والدولي، حيث حصلت على عدة جوائز، من بينها جائزة الدولة التقديرية في الأدب أكثر من مرة، كما كرمها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر تقديرًا لدورها في إنجاح أول معرض دولي للكتاب في مصر.

كما شغلت مناصب سياسية وثقافية مهمة، منها عضوية مجلس الأمة، ومثلت مصر في العديد من المؤتمرات الدولية، لتصبح واحدة من أبرز الوجوه الثقافية التي جمعت بين الفكر والعمل العام.

رحلت الدكتورة سهير القلماوي في 4 مايو 1997، لكنها تركت وراءها إرثًا فكريًا وثقافيًا لا يزال حاضرًا حتى اليوم. فقد كانت نموذجًا للمرأة المثقفة القادرة على التغيير، وأسهمت في إعادة تشكيل صورة المرأة في المجتمع المصري والعربي.

ولا تزال سيرتها مصدر إلهام للأجيال الجديدة، خاصة في ظل التحديات التي تواجهها المرأة في مجالات التعليم والعمل، حيث تثبت تجربة القلماوي أن الإصرار والعلم قادران على كسر القيود وصناعة التاريخ.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء