حرب أم أحجية دبلوماسية؟ ماذا بعد تفعيل آلية "الزناد" ضد إيران؟
خطوات متسارعة على مسار التصعيد، هذا هو الحال هذه الأيام بين إيران وخصومها الغربيين ومن ورائهم الولايات المتحدة الأمريكية التي دفعت في اتجاه الضغط على طهران فيما يستمر قرع طبول الحرب أو على الأقل التلويح بها لإخضاع النظام الإيراني الذي نجح في تجاوز اختبار حرب الـ12 يومًا بأضرارٍ لا يمكن إخفائها.
ولا تنفصل هذه التطورات عن الأوضاع الإقليمية ككل، فرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لوح في أثناء حضوره فاعليات الجمعية العامة للأمم المتحدة باستخدام القوة ضد إيران والفصائل الولائية المنضوية تحت لواء الحشد الشعبي العراقي، وصحيفة "إسرائيل هيوم"، المقربة من نتنياهو، نشرت قبل ساعات توقعًا بنشوب حرب إسرائيلية إيرانية قريبًا، وبين هذا وذاك تتواصل التصريحات الإيرانية من الدوائر المعنية بالأمن القومي لتحذر من أن استهداف إيران سيستجلب ردًا قويا أكبر بكثير من ردودها على إسرائيل في الحرب الأخيرة.

وجاءت خطوة تفعيل آلية الزناد (Snap back) لتضيف تعقيدات جديدة للملف الإيراني، فالدول الأوروبية رفضت تمديد الإعفاء من العقوبات الذي حصلت عليه طهران بموجب اتفاقية العمل المشترك/ الاتفاق النووي عام 2015، وبالتالي فإن العقوبات التي رُفعت في ذلك الحين عن إيران ستعود مرة أخرى وهذه العقوبات ستشمل الملف النووي وملف الصواريخ البالستية الإيرانية وبالطبع الاقتصاد.
ومع أن التأثيرات المتوقعة على إيران جراء تفعيل آلية الزناد/ سناب باك، إلا أن دلالة الخطوة تعني الكثير في الوقت الحالي فيمكن وصفها بأنه مقدمة فعلية لحرب جديدة أو على الأقل تصعيد على حافة الهاوية، وهذه الخطوة كانت متوقعة للغاية لأن المطالب التي قدمت في مقابلها، وعلى رأسها عودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية لإيران ومنحهم الحرية للعمل وتجميد برنامج الصواريخ البالستية والحد من مدياتها، والتفاوض بشكل مباشر أو غير مباشر مع واشنطن.. إلخ، لم تكن مقبولة للإيرانيين، خصوصًا بعد الحرب الأخيرة التي قُصفت فيها المنشآت النووية بواسطة مقاتلات أمريكية شبحية.
ومن الواضح أن الجانب الإيراني يُدرك في الوقت الحالي أن خياراته المحدودة نفذت وأن عليه التعامل مع واقع جديد، لذا يلوح بأنه سيحارب إن فرضت عليه الحرب ولن يتراجع، بل وسيكون أشرس في ضرباته التي سيوجهها لأي طرف يبدأ العدوان عليه، وهذا التلميح لا ينجم عن فراغ، مع الأخذ في الاعتبار أن الإيرانيين لديهم رصيد طويل من التهديدات اللفظية والوعود الجوفاء التي أثبت محك الواقع أنها مجرد مبالغات بلاغية لا تُغني عند اختبارها على أرض الواقع.
الذريعة والواقع
ويمكن استغلال الوضع الحالي وحالة الغموض بشأن البرنامج النووي الإيراني لتبرير أي ضربات مستقبلية لإيران، فالأوروبيون وقبلهم الإسرائيليون يقولون إن البرنامج النووي الإيراني لم يدمر أو ينتهِ تماما رغم الضربات الكبيرة التي نفذتها الولايات المتحدة ضد منشآت طهران النووية في فورود وأصفهان ونطنز.
وهذه الذريعة يمكن استخدامها لصياغة سردية مبررة للحرب مع إيران وهي حرب متوقعة وهدفها أبعد من المشروع النووي الإيراني، فالنظام الإيراني الذي تخلخل نتيجة الضربات التي تلقاها محور المقاومة وفي القلب منه طهران هو الهدف التالي لأي حرب، وهذا يمكن استنتاجه بصورة بسيطة بالنظر لما حصل خلال حرب الـ12 يومًا.
فالأهداف والخطط العملياتية التي وضعتها إسرائيل لحرب الـ12 يومًا لم تكن تهدف للإطاحة بنظام الحكم الإيراني وإنما إضعافه وهذا واضح عند تحليل المعركة التي اتبعت فيها إسرائيل نموذجًا مطورًا من نموذج الحلقات الخمسة الذي وضعه العقيد الأمريكي جون واردن في التسعينيات إبان حرب الخليج وهذه الحلقات هي: (القوات العسكرية، والسكان، والبنية التحتية، والبنية الحيوية، ومراكز القيادة والسيطرة)، وبطبيعة الحال كانت كل تلك الحلقات هدفًا للضربات الإسرائيلية.
وأدى تخلل النظام جراء الضربات التي استهدفت قيادته السياسية والعسكرية ومراكز القيادة والسيطرة إلى ارتفاع سقف طموح المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، بما فيها الجيش، وقبلها المستوى السياسي وجعلهم يفكرون في إسقاط النظام الإيراني، وهذا هدف مرصود مستقبلا طالما توافرت القدرة له، فالقدرات تصوغ النوايا في المنظور الاستراتيجي.

غير أن الطبيعة المعقدة للحرب تجعل حسمها أمرًا ليس هينًا فالحرب، وهي أم المفاجآت، لا تسير بشكل خطي فهي عبارة عن منحنيات وخطوط متداخلة، ولذا فإن النموذج السابق وهو الحلقات الخمس الذي يهدف للوصول للقلب وهو الحلقة الأخيرة (القيادة) ليس الأنسب في حملة فعلية لإسقاط النظام الإيراني وذلك إذا اعتمد الخصم على عمليات القصف الاستراتيجي فقط.
فتاريخيًا لم تنجح حملات القصف الاستراتيجي منذ بدأت في إسقاط نظام سياسي بشكل منفرد، كما أن النظام الإيراني تمكن من استيعاب الضربات والمحافظة على صموده ورد الضربات بشكل متناسب إلى حد ما مع الضربات التي تلقاها، وعول على عامل الإدماء (الخسائر البشرية) للضغط على القيادة الإسرائيلية وبالتوازي مع ذلك خاض معركة لتعزيز سرديته الخاصة بالانتصار ورد العدوان في هذه المعركة التي فُرضت عليه، وهنا تكمن أزمة أخرى فالإسرائيليون يدركون أن لديهم فرصة لا ينبغي تفويتها بعد ضعف إيران، ومن قبلها سائر محور المقاومة الذي تشكل طهران قلبه نتيجة الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبها المحور في المنطقة على مدار العقود الماضية، ولذا فإن الدفع في اتجاه مواجهة جديدة أمر طبيعي ولذا يجب إقناع الجانب الأمريكي والحلفاء الأوروبيين بهذه المهمة.
إلى الحرب.. الحشد الأمريكي يبدأ
وبالنسبة للجانب الأمريكي فالرغبة في تجنب الحرب أكبر من الرغبة في خوضها، أما الأوروبيين فيرون أن إسرائيل تنجز العمل القذر نيابةً عنهم، بتعبير المستشار الألماني فردريش ميرتس، ولذا فإن البديل الجاهز على الطاولة دائمًا هي تلك اليد الطولى أو القاعدة العسكرية المتقدمة التي تُنجز الأعمال دون تورط مباشر من تلك الدول وهي إسرائيل.

وبتحليل الموقف الأمريكي وتفضيلات مؤسسات صنع السياسات الأمريكية نجد أن هناك تيارين تقليديين أولهما تيار يمل للاحتواء والضغط على إيران من أجل تعديل سلوكها وهذا التيار يرى أن مخاطر انهيار النظام الإيراني أكبر من المكاسب المترتبة على الإطاحة به وهذا الرأي ظل يحظى بواجهة لدى وزارة الخارجية الأمريكية وكان توجهًا أيضًا لها في فترة شغل مايك بومبيو منصب الوزير إبان الإدارة الديمقراطية السابقة.
أما الاتجاه الآخر، فيرى ضرورة البناء على منجزات اللحظة الحالية والدفع نحو إضعاف النظام الإيراني إلى الحد الأقصى ثم إسقاطه أو في أحسن الأحوال تركه يسقط بالقصور الذاتي خاصةً في ظل حالة الغضب والاستياء الشعبي من تردي الوضع الاقتصادي والخدمي في البلاد تحت وطأة الحصار الذي تفرضه العقوبات الأمريكية والغربية على طهران، ويبدو أن هذا التيار يكسب أرضًا جديدة في الفترة الأخيرة، ويظهر الأمر وكأنه حالة تحشيد من أجل حرب الخلاص من النظام الإيراني.
إلى ذلك، يبقى اتخاذ قرار الحرب أمرًا صعبًا ولا يمكن للولايات المتحدة أن تُغامر ببدء لا تعرف على وجه اليقين كيف ستنتهي، أما بالنسبة للإسرائيليين فالرغبة في إعادة تشكيل المنطقة والانتقام من عملية الـ7 من أكتوبر 2023 بما تشكله من رمزية فشل استخباراتي وعسكري كبير لتل أبيب يدفعهم للمضي قدمًا تجاه حرب جديدة والوقت الأمثل لهذه الحرب يكون في أكتوبر المقبل حتى يكون مقابل الهزيمة التي تلقاتها إسرائيل قبل نحو عامين، ولدى تل أبيب مبرراتها التي تستمدها من حالة الغموض المتعمدة من الجانب الإيراني بشأن المشروع النووي بعد الضربات الأمريكية.
وفي كل الأحوال، فإن تل أبيب سواء خاضت حربًا جديدة ضد النظام الإيراني، في أكتوبر المقبل أو في وقت آخر، سيظل لديها هدفا استراتيجيا متمثلا في إسقاط النظام الإيراني، وهذا الهدف سيخدم جهود تحقيقه حالة التوتر الموجودة والتحفز ضد النظام الإيراني، وعلى فرض أن الحرب لم تكن ممكنة في الوقت الحالي لاعتبارات جيوسياسية وحسابات معقدة، فستستبدل إسرائيل هذه الحرب بأي ضربة رمزية أو إعلان في أكتوبر المقبل كإعلان إتمام احتلال مدينة غزة في شمال قطاع غزة كي تبعث رسالة بأنها انتصرت في نفس الشهر الذي سبق وأن منيت فيه بهزيمة ما زالت آثارها باقية في عقل إسرائيل الاستراتيجي وفي الوجدان الشعبي العام.
أحمد سلطان*
باحث في الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب



