لعبة "عض الأصابع" في هرمز: واشنطن تراهن على الحصار وطهران على الوقت.
دخل الصراع في مضيق هرمز منعطفاً تاريخياً وحاسماً، فبعد أسابيع من المواجهة العسكرية المباشرة التي وُصفت بمرحلة "تكسير العظام"، انتقلت القوى العظمى إلى مرحلة أكثر تعقيداً وخطورة، وهي لعبة "تكسير الإرادات" الدبلوماسية.
في هذا الممر المائي الذي يمر عبره خُمس إمدادات الطاقة العالمية، لم تعد المدافع وحدها هي من يتحدث، بل أصبحت لغة الحصار الشامل والمناورات السياسية هي السلاح الأقوى في 2026.
تحول الوضع إلى استراتيجية شاملة "لتكسير الإرادات"، حيث تستخدم واشنطن سلاح "الحصار الشامل"، وترد طهران بورقة "الجمود التفاوضي"، بينما تقف عواصم الوساطة مثل إسلام آباد ومسقط على حافة الهاوية.
استراتيجية الحصار الخانق
بينما ترسو ثلاث حاملات طائرات أمريكية -"جورج بوش"، "جيرالد فورد"، و"أبراهام لينكولن"- في عرض البحر، أرسلت واشنطن رسالة واضحة مفادها أن الخيار العسكري بات "ظلاً" للعملية الدبلوماسية.
و كشف وزير الدفاع الأمريكي، بيت هيغسيث، عن إجبار 34 سفينة في مضيق هرمزعلى العودة، مؤكداً أن الحصار البحري يشتد حول عنق طهران.
حيث لم يعد الحصار مقتصرًا على المضيق، بل امتدت ملاحقة "أسطول الظل" الإيراني إلى أعالي المحيطين الهادي والهندي، في عملية استنزاف ملاحي تهدف لتجفيف منابع التمويل الإيراني بالكامل.
الدبلوماسية فوق حقل ألغام
في إسلام آباد، العاصمة التي تحولت إلى "غرفة عمليات" للوساطة، يبدو المشهد ضبابياً، فرغم الأنباء عن وصول وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، إلا أن "الجمود الحقيقي" هو سيد الموقف.
عقبة الموانئ: ترفض طهران الجلوس إلى طاولة المفاوضات ما لم يُرفع الحصار عن موانئها، معتبرة إياه خرقاً لاتفاق وقف إطلاق النار.
التعنت الأمريكي: في المقابل، تصر إدارة ترامب على أن الحصار هو "الورقة الرابحة" لإجبار إيران على تقديم تنازلات نووية وإقليمية جوهرية، مؤكدة أن "الوقت ليس في صالح طهران".
ودخلت الصحة الجسدية للقادة كعنصر في معركة الإرادات، فكشف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن تعافيه من "ورم خبيث" في توقيت الحرب، لم يكن مجرد تقرير طبي، بل رسالة سياسية موجهة لإيران مفادها: "القيادة في ذروة لياقتها، ولا تراهنوا على عامل الوقت أو الضعف".
من سيكسر أولاً؟
نحن أمام مشهد "عض الأصابع"؛ حيث تراهن واشنطن على أن الضغط العسكري الثلاثي (الحاملات الثلاث) والحصار الاقتصادي سيؤديان إلى انهيار الإرادة الإيرانية. وفي المقابل، تراهن إيران على أن صمودها وتلويحها بورقة الطاقة العالمية سيجبران المجتمع الدولي على الضغط على واشنطن لتقديم تنازلات.
بين الحصار البحري في هرمز، والحصار المالي في بغداد، والجمود الدبلوماسي في إسلام آباد، يظل السؤال القائم: من يمتلك النفس الأطول في صراع تكسير الإرادات؟
إن تمديد وقف إطلاق النار لثلاثة أسابيع في لبنان قد يكون "الهدوء الذي يسبق العاصفة" في هرمز، حيث تتجه الأنظار إلى مطلع الأسبوع المقبل لتحديد المسار النهائي: إما "صفقة تاريخية" أو "ضربة خاطفة ومؤلمة" للبنية التحتية الإيرانية.
تنتقل المواجهة الآن من الاشتباك العسكري المباشر إلى الضغط "تحت الجلد". وتتمثل هذه اللعبة في محورين، حيث تربط طهران بشكل قطعي بين "فتح مضيق هرمز" وبين "رفع الحصار عن موانئها".
إسلام آباد: وساطة في حقل ألغام
في كواليس العاصمة الباكستانية، يسود "جمود حقيقي"، ورغم الأنباء عن وصول وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، بوفد مصغر، إلا أن الدبلوماسية الباكستانية تقر بضعف التقدم.
أبلغت إيران الوسيط الباكستاني أن الحصار الأمريكي للموانئ يمنعها من الجلوس على طاولة المفاوضات، يتحرك عراقجي في مثلث (إسلام آباد - مسقط - موسكو)، بحثاً عن ظهير دولي يكسر العزلة الأمريكية، في وقت تصف فيه واشنطن الجهود الأوروبية بأنها "غير جدية".