رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

أبحاث الخطوط الحمراء للعلماء العرب  (4)

عملية ضرب مفاعل “تموز” العراقي وإجهاض الحلم النووي العربي!

صور ضرب المفاعل النووى
صور ضرب المفاعل النووى العراقي

يؤمن العدو أن معركته مع العرب والمسلمين ليست خلافا على مصالح أو  مواقف سياسية قد تتبدل مع الزمن، بل يؤمن أن ما بينه وبيننا هو صراع وجود لا يحتمل القسمة أو الشراكة ، إما نحن أو هم ، ولا مساحة بيننا لتعايش .

 

يؤمنون أن كل ما يطرح من تفاهمات أو ضمانات معيارها الوحيد هو المصلحه وحدها، وبما يضمن بقاءه وتفوقه.

 

إنه عدو يقظ لا يغمض له جفن، يتصرف بعقلية من يعتقد أن لحظة من الغفلة قد تعني نهايته فلا تغفل له عين ، لذلك يسخر كل ادوات الشر ، فهو يراقب ويرصد، يخطط ويدبر ويقتل ويفجر، يتحرك بلا تردد أو خشية، مكتفيا برؤيته الذاتية لما يراه هو حقا له، فلا يساوم عليه ولا يستشير فيه أحدا ، ومن قاموسه وتاريخه تتأكد انه عدو لا يفهم إلا لغة واحدة، هي لغة القوة ، تلك الحقيقة التي أدركها مبكرا الزعيم جمال عبد الناصر حين قال كلمته الخالدة  " ما أُخذ بالقوة لا يُسترد بغير القوة".

 

هذا الكلام مقدمة للحديث عن التجربة العراقية المهمة كمحاولة للاستقلال والتقدم بإنشاء المفاعل النووي العراقي ، فقد كان مشروعا عربيا طموحا بامتلاك القوة النووية ، غير أن هذا الطموح وضع مبكرا في مرمى الاستهداف الصهيوني  ليتحول من مشروع تنموي إلى ساحة صراع استخباراتي وعسكري لابد من استهدافه وتدميره  .

البداية كانت عام 1975حين أبرم العراق اتفاقا مع فرنسا لتزويده بمفاعل نووي للأبحاث، ضمن برنامج طموح لتطوير القدرات العلمية والتكنولوجية ، أقيم المشروع في مركز التويثة جنوب بغداد، وحمل اسم "أوزيراك" لدى الفرنسيين، بينما أطلق عليه العراقيون اسم "تموز"، تيمنا بثورة العراق 1958 .

 

ورغم أن الهدف المعلن كان سلميا، تمثل في الأبحاث وتوليد الطاقة، فإن المخاوف الغربية- وخاصة لدى العدو الصهيوني - تمحورت حول إمكانية استخدامه لإنتاج البلوتونيوم، وهو عنصر أساسي في تصنيع الأسلحة النووية.

 

استهداف العقول قبل المنشآت

قبل أن تقصف  المنشأت ، كان القرار قد اتخذ بتصفية "العقل" الذي يدير المشروع ، وهو الدكتور المصري يحيى المشد العالم الذي دفع ثمنا لعلمه ووطنيته ، برز اسم " المشد " كأحد أهم العقول في البرنامج النووي العراقي، حيث تولى الإشراف العلمي والتقني، وكان حلقة الوصل بين بغداد وباريس.

في يونيو 1980، وُجد د. المشد  مقتولا داخل غرفته في أحد فنادق باريس، في جريمة وصفت بأنها احترافية  إذ تعرض لضربة قاتلة على الرأس ، و لم تكشف ملابسات الجريمة رسميا، لكن أصابع الاتهام وجهت إلى جهاز الموساد الإسرائيلي .

اغتيال المشد لم يكن مجرد حادثة فردية، بل كان رسالة واضحة ان استهداف العقول أكثر فاعلية من تدمير البنية التحتية ، فلم تتوقف الأحداث عند هذا الحد ، فقد توفيت الفرنسية ماري كلود ماغار- التي قيل إنها كانت شاهدة محتمله على واقعة اغتيال يحي المشد - في حادث سيارة غامض ، كما تعرضت منشآت صناعية فرنسية مرتبطة بالمشروع لتفجيرات تخريبية، في محاولة لتعطيل خطوط الإمداد.

عملية "أوبرا"

في 7 يونيو 1981، نفذت إسرائيل واحدة من أشهر العمليات العسكرية الاستباقية في التاريخ الحديث، عُرفت باسم "عملية أوبرا" ، حيث انطلقت 8 طائرات F-16، بمرافقة 6 طائرات F-15، في رحلة طويلة عبر أجواء عربية " السعودية والاردن " ، مستفيدة من الطيران المنخفض لتفادي الرادارات.

خلال دقائق معدودة، دُمر المفاعل بالكامل قبل تشغيله فعليا، في ضربة خاطفة أنهت المشروع الى الابد .

اثارت العملية حينها إدانات دولية واسعة، لكنها في الوقت نفسه كرست مبدأ "الضربة الوقائية" في العقيدة العسكرية الإسرائيلية.

المطاردة لا تنتهي

لم يكن تدمير المفاعل العراقي نهاية القصة، بل بداية فصل جديد أكثر تعقيدا ، فبعد عام 2003، ومع سقوط بغداد، تصاعدت التقارير عن استهداف ممنهج للكفاءات العلمية العراقية  وبدء سلسلة من الاغتيالات استهدفت علماء العراق واختفى مئات العلماء، في ظروف غامضة، ما أدى إلى تفريغ البلاد من جزء كبير من نخبتها العلمية.

وبينما يصعب التحقق من الأرقام بدقة، فإن المؤكد أن العراق فقد خلال تلك الفترة رصيدا بشريا كان يمكن أن يشكل قاعدة لأي نهضة علمية مستقبلية.

في حين كشفت واقعة مفاعل العراق عن حقيقة تتجاوز البعد العسكري المباشر ، فالصراع لم يكن فقط حول مفاعل يمكن تدميره، بل حول "منظومة معرفة" قابلة للنمو والتراكم.

المفاعل العراقي كان مشروعا يمكن إعادة بنائه، أما العقول التي اغتيلت، فكانت تمثل سنوات طويلة من الخبرة والتأهيل ، وهنا نتأكد أن المعركة الحقيقية لم تكن ضد منشأة، بل ضد إمكانية امتلاك ( العرب ) للمعرفة ذاتها.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء