رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

أبحاث الخطوط الحمراء للعلماء العرب ( 3 )

اغتيال العالم الفلسطيني نبيل فليفل بعد رفضه الهجرة!

أرشيفية
أرشيفية

لم يكن الحلم الفلسطيني في بناء قنبله نووية ، فمازال الحلم هو الاستقلال وتحرير الأرض وتطهيرها من دنس الصهيونية ، لكن هذا لا يمنع من ظهور علماء من أبناء فلسطين عندهم القدرة على التفوق العلمي ، وخدمة الوطن العربي والبشرية بالعلم والتفوق ، لكن قبل نحو أربعة عقود، وتحديداً في ربيع عام 1984، اختفى الشاب الفلسطيني اللامع نبيل فليفل (29 عاماً) وهو في طريقه إلى العمل في مدينة رامله ، لينضم اسمه لاحقاً إلى سلسلة اغتيال العقول العربية في مهدها .

لم يكن نبيل فليفل مجرد طالب متفوق، بل كان حالة نادرة في تاريخ المخيمات الفلسطينية ، وُلد ونشأ في مخيم الأمعري جنوب رام الله، وتمكن من التفوق في الفيزياء والرياضيات بدرجة جعلته يحظى بفرصة نادرة لدراسة الطبيعة النووية في أوروبا.

وفقاً لوثائق بحثية فلسطينية، تلقى فليفل عروضاً من جامعات أمريكية وأوروبية مرموقة، تتضمن رواتب خيالية، وجنسيات ثانية، ومختبرات مجهزة بأحدث التقنيات لكنه اتخذ قراراً غير مألوف في زمن كانت فيه الهجرة الفردية هي الحلم ، قرر فليفل العودة إلى الأرض المحتلة، وتحديداً إلى جامعة النجاح في نابلس، لتدريس الفيزياء النووية، على أمل بناء  " نواة علمية فلسطينية " تكون لبنة في تحرير وطنه بالمعرفة.

لكن في أواخر شهر نيسان 1984، خرج نبيل من منزله متوجهاً إلى الجامعة، لكنه لم يصل ، أثار غيابه المفاجئ قلقاً شديداً في الأوساط الأكاديمية والشعبية، خصوصاً أنه كان معروفاً بانضباطه التام وحبه لعمله ، بدأت عائلته وزملاؤه عمليات بحث مكثفة، لكن المنطقة كانت تعيش تحت سيطرة عسكرية كاملة لسلطات الاحتلال، مما أعاق تحركهم .

جثة على قمة جبل 

بعد أيام من القلق والترقب، عُثر على جثة فليفل ملقاة في منطقة وعرة قرب جبل  " بيت عور " غرب رام الله ، لم تكن الجثة في حالة طبيعية ، إذ حملت جسده علامات واضحة للتعذيب والتنكيل ، الأكثر دلالة، بحسب محققين فلسطينيين، هو موقع إلقاء الجثة في منطقة مرتفعة ومكشوفة، تطل على قرى ومدن، وكأن الجناة أرادوا تحويل الجثة إلى  " علامة إرشادية " لغيرهم من العلماء الذين يفكرون في حلم العودة.

تحقيق لم يكتمل

بالنسبة لعائلة فليفل والمنظمات الحقوقية المحلية، كان المشهد واضحاً منذ اللحظة الأولى ، لكن الطريق إلى الإدانة كان مسدوداً ، ففي ظل الإدارة العسكرية الإسرائيلية للضفة الغربية آنذاك، رفض الاحتلال فتح تحقيق جنائي شفاف، ورفض السماح بإجراء تشريح مستقل أو دولي للجثة ، وحاولت المصادر الأمنية الصهيونية الترويج لفرضيات غير منطقية مثل  وجود خلاف شخصي  أو  حادث تسلق جبل ، وهي روايات رفضتها الأسرة والمجتمع الفلسطيني بشدة.

المتهم الأول والوحيد في الملف، وفق كل المعطيات الفلسطينية والعربية، هو جهاز الموساد و بخلاف الروايات المختصرة، كان اغتيال نبيل فليفل يمثل هدفاً استراتيجياً بثلاثة أبعاد:

الاول هو الأمن النووي الإسرائيلي التي تمتلك ترسانة نووية غير معلنة، تعتبر أي محاولة فلسطينية أو عربية لبناء مفاعل نووي حتى لو سلمي  بمثابة تهديد وجودي لها كمان  وجود عالم نووي فلسطيني مؤهل، في جامعة وطنية، قد يكون بذرة لمشروع بحثي لا يمكن السيطرة عليه.

والثاني هو قطع رأس النخبة المستقبلية ، وهذه كانت السياسة الإسرائيلية الممنهجة في الثمانينيات وأوائل التسعينيات تقوم على " تفريغ الأرض من أصحاب العقول "،  وكان اغتيال فليفل رسالة رعب إلى آلاف الطلاب الفلسطينيين المبتعثين في الخارج مفادها " الهجرة الدائمة هي الخيار الآمن، والعودة قد تعني القتل "

اما ثالث الاهداف فهو محو نموذج المقاومة العلمية في زمن كانت فيه الانتفاضة الأولى لم تبدأ بعد، كان فليفل يمثل نموذجاً جديداً للمقاومة ، مقاومة سلمية بدون الحجر، بل بمعادلة الانشطار النووي ، وكان الاحتلال يخشى هذا النموذج أكثر من أي نموذج آخر، لأنه لا يمكن إخماده بالرصاص الحي وحده.

اليوم، وبعد مرور عقود، لا يزال ملف اغتيال نبيل فليفل مفتوحاً، ومغلقاً في آن واحد ، مفتوحاً في ذاكرة الفلسطينيين وضمائرهم، ومغلقاً أمام أي محكمة أو تحقيق دولي ، لكن سيرته بقيت حاضرة في أروقة جامعة النجاح، حيث يروي أساتذة قدامى لطلابهم قصة ذلك العالم الذي استشهد لأنه رفض أن يكون تابعاً .

 

وقال الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش، في معرض حديثه عن اغتيال فليفل: لم يقتل نبيل لأنه عالم نووي، بل لأنه آمن أن فلسطين تستحق أن يكون لها فيزيائيون يموتون على ترابها، مثلما لها فلاحون وثوار. لقد أُغتيل الحلم الفلسطيني بالعلم، قبل أن يُغتال صاحب الحلم ، فقد رحل نبيل فليفل  لكن اسمه ظل علامة فارقة في تاريخ  " الحرب الخفية " على العقول العربية ،.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء