سلاح حزب الله.. "المواجهة الكربلائية" في مواجهة الخطة الأمريكية
في كلمته التي ألقاها بمناسبة الذكرى الأولى لاغتيال الأمين العام الأسبق لحزب الله حسن نصر الله، قال نعيم قاسم، الأمين العام الحالي للحزب إنه يرفض عملية تسليم السلاح وأن البديل بالنسبة له "مواجهة كربلائية"، مستدعيًا بذلك رمزية المواجهة الأخيرة للإمام الحسين بن علي التي تحظى برمزية فريدة في المخيال الشيعي.
وأتت هذه الكلمة في سياق لبناني معقد أقرت فيه الحكومة خطة نزع سلاح حزب الله في جلسة انسحب فيها الوزراء الممثلين للمكون الشيعي، ووضع إقليمي صعب وقابل للاشتعال في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، والتلميحات الإسرائيلية والإيرانية باحتمالية تجدد المواجهة بين تل أبيب وطهران فضلا عن التطورات الحاصلة في سوريا والمؤثرة بلا شك على الوضع في لبنان.
ولم تضف كلمة الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم جديدًا، فمبدأ نزع سلاح الحزب ووحدة السلاح لدى أجهزة إنفاذ القانون ظل المطلب الأهم الذي تطالب به الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ودول أخرى، وكل هذه الأطراف تضغط على الحكومة اللبنانية وعلى الرئيس جوزيف عون، بينما يتمسك الحزب بسلاحه ويعتبر أنه ثابت من ثوابت المقاومة لا يمكن التفريط فيه خاصةً في الظرف الحالي الذي تواصل فيه إسرائيل شن ضربات في أكثر من دولة.

سلاح حزب الله.. سردية الشرعية
وفي الواقع فإن سلاح حزب الله له رمزيته الخاصة عند المكون الشيعي في لبنان ككل، واكتسب السلاح رمزية كبيرة عند الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، وهو ما منح الحزب فرصة ليروج أن سلاحه قاد معركة التحرير وأنه قادر على فعل الكثير، ثم تعززت هذه الشرعية على مدار سنوات في ظل وجود الأمين العام الأسبق للحزب حسن نصر الله على قيادته، وخاض الحزب خلال تلك السنوات حرب عام 2006 التي منحته مكانة إضافية في أوساط اللبنانيين حتى رغم الدمار الكبير الذي خلفته الحرب في جنوب لبنان.
ومنذ نهاية الحرب، استطاع الحزب بدعم من المحور الإيراني، المسمى بمحور المقاومة، أن يثبت قواعد اشتباك ضمنية ضمن معادلة الردع المتبادل وفي الجهة الأخرى حرص الإسرائيليون على أن يبتلع الحزب الطعم ليعتقد أن الجانب الإسرائيلي أصبح مردوعًا وأنه يخشى مواجهة مع حزب الله.
وهكذا ارتفعت أسطورة الحزب عاليا في ظل وجود القيادة الكاريزمية لحزب الله الممثلة في حسن نصر الله على رأسه، وأصبحت شرعيته مبنية على وجود السلاح وعلى رمزية قيادته حتى رغم التطورات التي حدثت تاليا ومنها اجتياح الحزب لبيروت، في مايو 2008، وتدخله في سوريا بعد اندلاع الثورة السورية في 2011، ولم يقبل الحزب طوال هذه السنوات مناقشة قضية السلاح الخاص به.
ثم حدث أن تلقى الحزب ضربة قاصمة في الحرب الأخيرة مع إسرائيل، ففي حين لعب الحزب وفق قواعد الاشتباك الضمنية التي صاغتها إسرائيل بالأساس وقبل هو اللعب على أساسها، كسرت إسرائيل هذه القواعد في الوقت المناسب لها واغتالت زعيمه الكاريزمي حسن نصر الله وكامل القيادة العسكرية العليا، باستثناء طلال حمية مسؤول قسم الأمن الخارجي بالحزب، وحيدت كثيرًا من قوة الحزب عبر ضربات مركزة بدأت من هجوم البيجرز ثم التوغلات الإسرائيلية البرية التي وصلت لعمق الجنوب اللبناني وكل هذه الأحداث دفعت الحزب دفعا للقبول بمبادرة وقف إطلاق النار التي رعتها الولايات المتحدة، حتى مع احتفاظ الجيش الإسرائيلي بالسيطرة على 5 مواقع استراتيجية في الجنوب اللبناني احتلها خلال عملياته.
وبدأت بعد الحرب عملية إزالة وجود حزب الله جنوب نهر الليطاني بعد سنوات استثمر فيها وجوده في تلك المناطق، وقبل الحزب مضطرًا أن ينزع سلاحه هناك في ظل ضغوط قوية عليه، وبدا أن الولايات المتحدة وإسرائيل تستثمران اللحظة، وهي لحظة انكسار للحزب على أي حال، وبدأت المطالب تتصاعد بنزع سلاح الحزب بشكل كامل من قبل واشنطن ومبعوثها الخاص توم باراك ومن الإسرائيليين كذلك.

غياب "نصر الله" الذي لم يعوضه "قاسم"
وقدم المبعوث الأمريكي توم باراك خطة تقوم على أساس نزع سلاح حزب الله خلال 4 أشهر، بحيث تنتهي نهاية العام الجاري مقابل التعهد بانسحاب تدريجي للجيش الإسرائيلي من النقاط الخمسة التي احتلها خلال الحرب الأخيرة، متعهدًا بدعم الجيش اللبناني في المقابل بمبلغ سنوي قدره مليار دولار.
وكذلك، أقرت الحكومة اللبنانية خطة نزع سلاح حزب الله وهي مكونة من 5 مراحل، أولها تمتد لـ3 أشهر لنزع سلاح الحزب بالكامل جنوب الليطاني، ثم تمتد المراحل التالية وصولا لبيروت والبقاع وهذه مراحل لم تُحدد بسقف زمني وهذا يعني أن الجيش اللبناني والحكومة يدركان تعقيدات عملية نزع سلاح حزب الله ويشكان في أن الحزب سيتنازل من الأساس ويقبل بها.
وأمام هذه التحركات، ظل الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم يردد أنه لن يتخلى عن سلاح الحزب وأن الحزب يتعافى ويعيد بناء نفسه، ومع كل مبالغاته الخطابية لم يظهر أن لديه خطة حقيقية للتعامل مع هذه الأزمة، وبدا جليا أن فقدان الأمين العام الأسبق للحزب حسن نصر الله لم يعوضه أحد ولا حتى نعيم قاسم نفسه.
واتضح أن نعيم قاسم يحاول شراء الوقت وتأجيل الصدام لأطول فترة ممكنة أملا أن يبرد الوقت الأوضاع الملتهبة يكسر حدة الهجمة على حزب الله بسبب سلاحه، وكأنه يستدعي النهج الإيراني القائم على مبدأ الصبر الاستراتيجي، مع وجود اختلاف هو أن إيران كانت تراكم الصبر الاستراتيجي لتتمكن من حيازة أسباب القوة المناسبة لخوض المعركة الفاصلة، أما الحزب فصبره الحالي قائم على العجز أكثر منه على الحكمة فهو محاصر الآن بين عدوين لدودين أولهما النظام السوري الجديد برئاسة أحمد الشرع وثانيهما إسرائيل.
وحالة الحصار هذه ليست مجرد مجاز لغوي، بل هي حالة فعلية يعيشها الحزب الذي مثلت سوريا بالنسبة له قاعدة الدعم اللوجيستي وممر وصول السلاح المهرب من إيران، ولعل إحباط قوى الأمن الداخلي السورية عمليات تهريب السلاح للبنان على مدار الأشهر الماضية، وآخرها ضبط 200 صاروخ جراد مجهزين للتهريب للحزب، أبرز دليل على الحصار المفروض عليه، وربما شكلت هذه الحالة أحد أهم العوامل المحفزة له، بجانب الرغبة الإيرانية بالطبع، للقفز للأمام بإعلان مبادرته للمصالحة مع المملكة العربية السعودية التي أعلن عنها نعيم قاسم قبل أيام.
الخيارات المتاحة أمام حزب الله
وفي ضوء كل هذه التطورات يجد الحزب نفسه أمام خيارات صفرية فإما القبول بالمخطط الرامي لتقليم أظافره وخلع أنيابه أو محاولة مواجهته سياسيا قبل المواجهة العسكرية على أمل عرقلته وخلق واقع جديد يمكنه من المناورة، بيد أن استمرار الضغط الأمريكي والضربات الإسرائيلية التي زادت عن 500 ضربة منذ اتفاقية وقف إطلاق النار المبرمة بينه وبين تل أبيب في العام الماضي، لا يُبقى للحزب أي مجال للمناورة، ويمكن اعتبار أن هذا الواقع هو ما دفع الأمين العام للحزب للتلويح بفكرة "المعركة الكربلائية".
فنعيم قاسم يُدرك أن الأطراف المنخرطة في اللعبة الآن لا تخيره في تسليم السلاح من عدمه بل تخيره في من يُسلم له السلاح إما الحكومة اللبنانية وإما الجيش الإسرائيلي الذي يقول عنه المبعوث الأمريكي توم بارك بأنه سينجز المهمة بنفسه لو فشل اللبنانيون، والحقيقة أن نعيم قاسم نفسه لا يملك خيار تسليم السلاح فحتى لو طلبه من أتباع الحزب نفسهم، فإنهم سيرفضون وستختار قواعده خوض المعركة الأخيرة تمامًا كما فعل الحسين بن علي حين واجه مع أبناءه وأبناء إخواته من آل البيت الذين لا يزيدون عن سبعين جيشًا كبيرًا في كربلاء حيث قتل وهو يحارب بسيفه دون أن يقبل الخضوع لأمر عُبيد الله بن زياد والي يزيد بن معاوية على الكوفة، وبنفس المنطق يلوح الأمين العام لحزب الله بالمعركة الكربلائية كمعركة أخيرة في مواجهة أعدائه المتربصين بسلاحه، كما قال في كلمته.
أحمد سلطان*
باحث في الأمن الإقليمي ومكافحة الإرهاب



