لم يكن الإعلان عن فشل الجولة التفاوضية في باكستان مفاجأة استراتيجية، بل بدا أقرب إلى نتيجة متوقعة عندما تبتعد المفاوضات عن هدفها الأساسي في تحقيق توازن المصالح، وتتحول إلى وسيلة لفرض الشروط من طرف على آخر، فإنها تفقد معناها تدريجيا، وتصبح أقرب إلى مسار يقود إلى فشل يمكن توقعه مسبقا، ومع استمرار هدنة الخمسة عشر يوما، يبرز سؤال جوهري، هل نقرأ في فشل مفاوضات باكستان نهاية لمسار دبلوماسي، أم مجرد تمهيد تكتيكي لجولة صراع جديدة؟ الإجابة لا تكمن في ردود الفعل الآنية، بل في تحليل البنى التحتية للحسابات الاستراتيجية لكل طرف.
حالة كلاسيكية من عدم التماثل
من منظور التحليل الاستراتيجي، تعكس المفاوضات الفاشلة في باكستان حالة كلاسيكية من عدم التماثل في الأهداف، واشنطن تدخل الطاولة بمنطق التفكيك: نزع التخصيب، تقييد القدرات الصاروخية، وعزل النفوذ الإقليمي كشرط مسبق لأي تطبيع، فتح مضيق هرمز، طهران، بالمقابل، تدخل بمنطق الاعتراف بالسيادة والردع المتوازن، و هذا التباين ليس خلافا تقنيا حول نسب اليورانيوم أو آليات التفتيش، بل هو تصادم جوهري بين نموذجين للنظام الإقليمي: أحدهما يسعى لإعادة إنتاج الهيمنة عبر نزع أوراق الخصم الاستراتيجية، والآخر يدافع عن بقاء الدولة عبر الحفاظ على عمليتي التخصيب والتأثير في الممرات الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، الذي لا تنظر إليه طهران باعتباره مجرد ممر ملاحي، بل تعتبره ورقة استراتيجية حاسمة في معادلة توازن القوى، وضمانة أساسية لردع أي مغامرة عسكرية خارجية.
نظرية التكلفة والعائد في صنع القرار
هنا تبرز المعادلة التي تحكم السلوك الإيراني، والتي يمكن تفسيرها عبر نظرية التكلفة والعائد في صنع القرار الخارجي، في الحسابات الإيرانية، تكلفة التنازل الجوهري عن برنامج التخصيب تفوق بكثير تكلفة العودة إلى المواجهة المسلحة، و قد تبدو هذه المقاربة غير بديهية للدبلوماسية التقليدية، لكنها منطقية تماما في إطار استراتيجية البقاء، الحرب، برغم كلفتها المادية والبشرية، تظل حدثا زمنيا قابلا للإدارة وإعادة الإعمار، ولا تمحو السيادة، أما التنازل الطوعي عن القدرات النووية السلمية، فهو قرار وجودي لا رجعة فيه؛ يجرد الدولة من رادعها الاستراتيجي، ويحولها إلى طرف خاضع لضغوط متصاعدة، كما علمتنا تجارب تاريخية عديدة في العقود الأخيرة وتدرك إيران أن التوقيع على وثيقة تفكيك نووي ليس نهاية المطاف، بل فاتحة لسلسلة تنازلات تمس الأمن القومي والهوية الاستراتيجية للدولة، وهو ما يجعل ثمن التنازل في نظر صناع القرار بطهران أعلى من ثمن الصمود العسكري.
الهدنة الحالية فاصل تكتيكي
الهدنة الحالية، التي لا تزال سارية ولم تنته بعد، لا تمثل تحولا جوهريا في المعطيات، بل هي فاصل تكتيكي تختبر خلاله الأطراف مدى صلابة الإرادة السياسية والقدرة على إدارة التصعيد، وفشل مفاوضات باكستان يرسل إشارة واضحة: أن المسار الدبلوماسي الأحادي، القائم على ضغط غير متوازن وشروط مسبقة، لم يعد صالحا لعالم يتجه بسرعة نحو تعددية الأقطاب ولا يكمن الخطر الحقيقي الآن في احتمال استئناف القتال فحسب، بل في سوء التقدير الاستراتيجي؛ فحين تراهن واشنطن على أن الهدنة ستكسر إرادة الخصم، و تراهن طهران على أن الصمود سيجبر الخصم على إعادة الحسابات، تزداد احتمالية الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة قد تتجاوز السيطرة، خاصة مع تحول مضيق هرمز إلى بؤرة حساسة تربط الأمن الإقليمي بالاقتصاد العالمي وأمن الإمدادات الطاقة.
تراجع فعالية النموذج الدبلوماسي
الواقع أن فشل الجولة في باكستان ليس نكسة عابرة، بل مؤشر على تراجع فعالية النموذج الدبلوماسي القائم على الإملاء في عالم لم تعد فيه الهيمنة الأحادية أمرا مفروغا منه، الدول اليوم أكثر وعيا بحدود التنازل، وأكثر قدرة على بناء شبكات دعم إقليمية ودولية تخفف من وطأة الضغوط الخارجية كما أن أدوات الردع تطورت لتصبح أكثر تعقيدا، مما يجعل أي محاولة لفرض واقع جديد بالقوة أو بالضغط الاقتصادي وحدها، تواجه مقاومة هيكلية قد لا تكون مرئية للوهلة الأولى، لكنها حاسمة على المدى المتوسط.
تحول في العقلية التفاوضية
الخروج من هذا المأزق يتطلب تحولا في العقلية التفاوضية ذاتها، الدبلوماسية الفاعلة لا تبنى على افتراض أن الطرف الآخر سيستجيب للإملاء، بل على إدراك أن الاستقرار الحقيقي ينتج عندما تشعر جميع الأطراف بأن مصالحها الحيوية محفوظة ضمن إطار متوازن، وهذا لا يعني التخلي عن المعايير الدولية أو التهاون مع الانتشار النووي، بل يعني الاعتراف بأن الأمن لا يفرض، بل يدار عبر حوار يعترف بالتعقيدات المحلية والإقليمية، ويبحث عن صيغ تضمن الشفافية دون المساس بالسيادة أو القدرة على الدفاع المشروع.
الحبر وحده لا يصنع السلام
في الختام، إن فشل المفاوضات الأمريكية الإيرانية في باكستان ليس نهاية للطرق الدبلوماسية، بل دعوة صريحة لإعادة تعريف دور التفاوض في القرن الحادي والعشرين، فالحبر وحده لا يصنع السلام إذا لم يدعمه اعتراف متبادل بالواقع الجديد، والمفاوضات التي تتجاهل هذه الحقيقة محكومة بالجمود أو الانفجار، وإن الطريق إلى الاستقرار الإقليمي يمر عبر جسور من الفهم المشترك، لا عبر وثائق تفرض من موقع القوة، وترفض من موقع الكرامة الاستراتيجية.