رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

أعادت الحادثة المعروفة إعلاميًا بـ جريمة كرموز في الإسكندرية طرح أسئلة مؤلمة حول طبيعة التحولات التي يشهدها المجتمع، وحدود التماسك الأسري في مواجهة الضغوط المتراكمة.

فليست الجريمة في حد ذاتها هي الصادمة فقط، بل السياق الذي وقعت فيه؛ حيث تحولت الأسرة، التي يُفترض أن تكون مصدر الأمان، إلى مسرح مأساة مركبة انتهت بفقدان عدة أرواح في مشهد يكاد يتجاوز حدود التصور.

تكشف هذه الواقعة عن خلل عميق في البنية النفسية والاجتماعية، حيث تشير المعطيات الأولية إلى أن الأم كانت تعاني من اضطرابات نفسية حادة، تفاقمت في ظل ظروف معيشية ضاغطة وغياب الاستقرار الأسري.

ومع غياب الدعم النفسي والمؤسسي، تحولت هذه الاضطرابات إلى سلوك عنيف غير عقلاني، بلغ ذروته في توجيه الأبناء نحو العنف، بل والانخراط فيه، في صورة تعكس ما يمكن وصفه بـ"الانهيار النفسي الجماعي".

من الناحية النفسية، تبرز هذه الحادثة نموذجًا لما يُعرف باضطرابات الإدراك والواقع، حيث يفقد الفرد القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ أو بين الخطر والأمان، وقد يصاحب ذلك نزعات تدميرية تمتد إلى الذات والآخرين.

كما تطرح الواقعة تساؤلات حول تأثير "السلطة الأبوية" داخل الأسرة، إذ قد ينصاع الأبناء، خاصة في سن صغيرة، لتوجيهات الأم حتى وإن كانت مدمرة، في ظل غياب النضج الكافي أو البدائل الآمنة.

أما اجتماعيًا، فتعكس الجريمة تداخل عدة عوامل، أبرزها الضغوط الاقتصادية، والتفكك الأسري، وغياب شبكات الحماية الاجتماعية الفعالة، فحين تتراكم الأزمات دون تدخل، تتحول الأسرة إلى بيئة مغلقة تُعيد إنتاج التوتر والعنف، كما أن محدودية الوعي بالصحة النفسية، ووصمة اللجوء للعلاج، تسهمان في تفاقم الحالات.

ولا يمكن إغفال دور الفضاء الرقمي والبيئة المحيطة، حيث يعيش الأفراد في عزلة نسبية رغم الانفتاح الظاهري، ما يضعف آليات الدعم التقليدية من الأسرة الممتدة أو المجتمع المحلي، في مثل هذه الظروف، تصبح الأزمات الفردية أكثر حدة، وأقل قابلية للاحتواء.

وتتجاوز تداعيات هذه الحادثة حدود الأسرة المنكوبة، لتطال الإحساس الجمعي بالأمان، وتثير القلق بشأن حالات مشابهة قد تكون كامنة وغير مرئية، كما تعيد التأكيد على أن الجرائم الأسرية ليست دائمًا نتاج نية إجرامية بحتة، بل قد تكون انعكاسًا لانهيارات نفسية واجتماعية متراكمة.

إن الدرس الأهم من هذه الواقعة يتمثل في ضرورة التعامل مع الصحة النفسية باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من الأمن المجتمعي، وليس مسألة فردية هامشية، كما تبرز الحاجة إلى تدخل مبكر عبر المؤسسات التعليمية والصحية، وتعزيز آليات الرصد والدعم، إلى جانب نشر الوعي المجتمعي بطرق التعامل مع الضغوط والأزمات.

ويرى الكاتب، أنه لا بد من اضطلاع المؤسسات بدور فاعل، في مداركة الأسباب والدوافع المؤدية لمثل تلك الفاجعة، ومن أهم تلك المؤسسات، الدينية منها لكونها ركيزة أساسية في الوقاية والتوجيه، ليس فقط بوصفها مرجعية روحية، بل باعتبارها فاعلًا مجتمعيًا مؤثرًا في تشكيل الوعي والسلوك.

فالمؤسسات الدينية، وفي مقدمتها الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف، والكنيسة المصرية يقع على عاتقها ترسيخ قيم الرحمة والتكافل وصون النفس الإنسانية، بما يعزز مناعة المجتمع ضد العنف الأسري والتفكك.

ومن أهم أدوار هذه المؤسسات تعزيز الوعي بالصحة النفسية، من خلال خطاب ديني يرفع الحرج عن طلب المساعدة، ويؤكد أن اللجوء إلى العلاج النفسي لا يتعارض مع الإيمان، بل يندرج ضمن الأخذ بالأسباب.

وفي أوقات الأزمات، يحب أن تكون المنابر الدينية أداة لاحتواء الصدمة المجتمعية، عبر خطاب متوازن يرفض التبرير أو التهويل، ويؤكد على المسؤولية الجماعية في حماية الأسرة، باعتبارها نواة المجتمع.

وبالرغم من أن مأساة جريمة كرموز، ليست وليدة سلوك إجرامي مرصود لدى أيٍ من أفراد الأسرة، فإن لدى الجهات الأمنية دور استباقي مهم في مثل هذه الحوادث، لكنه يظل جزءًا من منظومة أوسع ولا يمكن أن يعمل بمعزل عن باقي مؤسسات الدولة والمجتمع.

ويبدأ هذا الدور من التعامل الجاد مع البلاغات والمؤشرات الأولية، مثل شكاوى العنف الأسري، أو السلوكيات غير المستقرة داخل المنازل. فهذه الإشارات، وإن بدت بسيطة، قد تكون إنذارًا مبكرًا يستدعي التدخل، كما أن توفير قنوات آمنة وسهلة للإبلاغ يشجع الجيران أو الأقارب على طلب المساعدة دون خوف أو حرج.

فضلًا عن صلاحيات التدخل الوقائي في الحالات التي يظهر فيها خطر وشيك، وفقًا لما يسمح به القانون، سواء عبر إجراءات حماية مؤقتة، أو إحالة الحالات إلى مختصين نفسيين واجتماعيين.

وفي ختام هذا المشهد المؤلم، لا يمكن التعامل مع ما حدث بوصفه واقعة عابرة أو شذوذًا فرديًا، بل جرس إنذار حاد يفرض على المجتمع والدولة معًا مراجعة عميقة وجادة.

فالتماسك الأسري لم يعد أمرًا تلقائيًا، بل مسؤولية مشتركة تتطلب وعيًا، ودعمًا نفسيًا، وتعليميًا، واقتصاديًا مستمرًا، فحماية المجتمع ليست مهمة جهة بعينها، بل مسؤولية جماعية تبدأ من الأسرة ولا تنتهي عند الدولة، وإلا فإننا نترك الباب مفتوحًا لمآسٍ جديدة قد تكون أكثر قسوة وإيلامًا.

والله من وراء القصد،،،

عاشت مصر شعبًا وقيادة،،،

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء