رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ساعات تفصلنا عن تصعيد قد يكون هو الأكبر على الإطلاق في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. الرئيس ترامب هدد بتدمير البنية التحتية المدنية الإيرانية في ضربات كبرى ساحقة، ستشمل استهداف محطات الطاقة الكهربائية، ومحطات تحلية المياه، ومنشآت نفطية، وأي هدف يتعلق بإنتاج الطاقة بشكل عام، فضلًا عن الجسور والطرق الحيوية.


هل لدى الولايات المتحدة القدرة على تنفيذ عملية كهذه؟ بكل تأكيد نعم، أصولها العسكرية المتاحة في مسرح العمليات تسمح لها بتنفيذ هذه الهجمات التدميرية بسهولة، لاسيما بعدما تعرضت شبكة الدفاع الجوي الإيراني لتدمير شبه تام. ولكن تظل الكلفة السياسية لهذه الخطوة الخطيرة تطرح تساؤلات جدية من المفترض أن تدفع الولايات المتحدة إلى التريث قبل اتخاذ قرار كهذا، فتدمير البنية التحتية المدنية لبلد ما مع سبق الإصرار يُعد جريمة حرب مكتملة الأركان وفقًا لاتفاقيات جنيف، كما يُعد أيضًا انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي لحقوق الإنسان. كذلك، فإن ضربة كهذه سيكون لها تداعيات خطيرة على أمن واستقرار المنطقة، إذ هددت إيران بالرد على تصعيد من هذا النوع عبر التوسع في استهداف منشآت الطاقة والنفط والغاز في إسرائيل ومنطقة الخليج، مما سيتسبب في مضاعفة أزمة الطاقة الناجمة عن عرقلة الملاحة في مضيق هرمز، والتي قد تظل قائمة بقوة لأشهر وربما سنوات بعد انتهاء الحرب في حال ذهاب الأمور إلى هذا المنحنى الخطير.


خطر كبير آخر يغفله المحللون أحيانًا عند النظر إلى التداعيات المحتملة لمثل هذا التصعيد، وهو موقف الصين. فالصين اتخذت موقفًا معتدلًا منذ بداية الأزمة، وتمارس قدرًا كبيرًا من ضبط النفس، ويقتصر دعمها لإيران منذ بداية الحرب على الدعم الدبلوماسي والسياسي، مع السعي إلى خفض التصعيد. أي أن الصين تحافظ على خطها التقليدي الذي تحظر من خلاله على نفسها التورط في أي صراعات مسلحة، سواء بالوكالة أو بشكل مباشر، وعدم الانخراط في أي تصعيد عسكري مع الولايات المتحدة خارج مجالها الحيوي، أي مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي وغيرها من المناطق المحيطة بها.
إلا أن تدمير إيران، وبالتبعية تدمير البنية التحتية لإنتاج النفط والغاز في الشرق الأوسط بشكل كلي أو جزئي، قد يدفع الصين إلى إعادة حساباتها. فبكين من أكبر المتضررين من إغلاق مضيق هرمز، حيث إنها تتلقى نحو 50% من وارداتها البترولية من الشرق الأوسط، وبالفعل، بالرغم من اندلاع الحرب وإغلاق المضيق، لا تزال إيران تصدر 90% من نفطها إلى الصين دون أي إعاقة أمريكية لذلك، كما لا تزال بكين تتلقى شحنات كبيرة من النفط السعودي عبر ميناء ينبع على البحر الأحمر، وإن كان ذلك بكميات أقل من المعتاد وبأسعار أعلى بكثير. وربما يُعد تلقي الصين لجزء من إمداداتها النفطية أحد عوامل التزامها بخطها التقليدي وموقفها الهادئ، ولكن في حال ذهبت الولايات المتحدة إلى خيار تدمير البنية التحتية الإيرانية، وردت إيران بهجمات واسعة على منشآت الطاقة في الخليج، فإن النتائج ستكون كارثية، وبكل تأكيد ستتوقف إمدادات النفط إلى الصين، أو على الأقل ستنخفض بشكل حاد.


وهذا قد يدفع بكين إلى اتخاذ مواقف أكثر حدة، مع شعورها بأنها مستهدفة بشكل غير مباشر مما يجري في الحرب الإيرانية، وهو تصور صحيح جزئيًا، إذ ينظر الكثير من المحللين إلى تدمير قدرات إيران وتحييدها في إطار التحركات الأمريكية لاحتواء نفوذ الصين وتقويض مشروع "الحزام والطريق"، قاطرتها التنموية. وقد تتصاعد الأمور إلى تقديم الصين دعمًا عسكريًا واستخباراتيًا مباشرًا وأكثر فاعلية لإيران، مما قد يطيل أمد الحرب ويحولها إلى صراع مفتوح بالوكالة بين الولايات المتحدة والصين. كما سيفسد تصعيد كهذا التوافقات الدقيقة التي تقوم عليها التهدئة بين إدارة دونالد ترامب ونظام شي جين بينغ، خاصة أن ترامب من المقرر أن يجري زيارة تاريخية إلى الصين في مايو المقبل، وقد يعكر تصعيد أمريكي من هذا النوع صفو هذه التهدئة.


ساعات حاسمة نحن مقبلون عليها، قد تشهد أحداثًا جسامًا تغير وجه المنطقة لسنوات وعقود، وربما تلقي بظلالها أيضًا على توترات وتنافس القوى الكبرى لإعادة تشكيل النظام الدولي.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء