رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

 

ماذا لو قررت إيران المشاركة في قمة شرم الشيخ المعنية بالسلام في غزة العان الماضي؟ سؤال قد يبدو افتراضيًا في ظاهره، لكنه يكتسب أهمية خاصة في ضوء المسار الذي انتهت إليه الأمور لاحقًا، حيث تحولت التوترات المتراكمة إلى مواجهة مفتوحة بين طهران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، أضرمت النيران في المنطقة.

لطالما قامت السياسة الإقليمية الإيرانية على مزيج من النفوذ غير المباشر، عبر شبكة من الحلفاء والوكلاء، وتوظيف البعد الأيديولوجي والطائفي لتعزيز حضورها في المنطقة. وفي الوقت ذاته، حرصت طهران تقليديًا على إبقاء هذا الصراع ضمن حدود “الحروب بالوكالة”، متجنبة الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل.

غير أن هذه المعادلة بدأت في التآكل بعد أحداث السابع من أكتوبر في خريف 2023، وما تلاها من تحولات عميقة في موازين القوى الإقليمية. فقد تعرضت أدوات النفوذ الإيرانية لضغوط غير مسبوقة، وتراجعت قدرة حلفائها على فرض توازن ردع فعال، فيما بدت إسرائيل أكثر جرأة في دفعها نحو تقويض النفوذ الإقليمي الإيراني وفرض مشروعها التوسعي على المنطقة، وصولًا إلى الدفع نحو مواجهة مباشرة مع إيران نفسها.

في هذا السياق، جاءت إعادة انتخاب دونالد ترامب، المعادي لإيران، لتضيف متغيرًا حاسمًا. إذ تبنت طهران، في مواجهة إدارة أمريكية لديها موقف سلبي مسبق من إيران، مقاربة تميل إلى التشدد والتحدي، بدلًا من اختبار مسارات الاحتواء والتهدئة. هنا تحديدًا، يبرز التساؤل حول ما إذا كانت إيران قد أساءت قراءة اللحظة الاستراتيجية.

قمة شرم الشيخ، التي استضافتها مصر بمشاركة العديد من دول العالم، بما في ذلك قوى إقليمية عربية وإسلامية بارزة مثل تركيا وباكستان والسعودية، لم تكن مجرد منصة لبحث إنهاء الحرب في غزة، بل مثلت، بحكم تركيبتها، محاولة لفتح مسار دبلوماسي أوسع يعيد ترتيب أولويات الإقليم. ومن الواضح أن واشنطن سعت، من خلال توجيه دعوة لإيران عبر مصر لحضور مؤتمر السلام، إلى إدماج الملف النووي الإيراني ضمن إطار تسوية إقليمية أشمل.

لم يكن من المرجح أن تؤدي مشاركة إيران في القمة إلى اتفاق شامل مع الولايات المتحدة، بالنظر إلى حجم التعقيدات والتباينات. لكن مجرد الحضور كان يمكن أن يفتح قنوات اتصال مباشرة أو غير مباشرة في مرحلة مبكرة نسبيًا، ويمنح طهران مساحة أكبر للمناورة السياسية، وربما كان سيساهم في تخفيف حدة التصعيد، أو على الأقل إبطاء وتيرته.

ولكن في المقابل، اختارت إيران رفض الدعوة، مفضلة التمسك بنهج المواجهة ورفض الانخراط في مسار تفاوضي تقوده واشنطن، متأثرة بتجربة الانقضاض عليها عبر حرب الإثني عشر يومًا في خضم عملية تفاوضية مع الولايات المتحدة بوساطة عمانية. هذا القرار قد يُفهم أيضًا في ضوء اعتبارات داخلية، تتعلق بطبيعة بنية اتخاذ القرار في طهران، ودور المؤسسات الأكثر تشددًا، لاسيما الحرس الثوري، وتوجهات المرشد الراحل علي خامنئي آنذاك، فضلًا عن انعدام الثقة العميق في النوايا الأمريكية.

ومع ذلك، فإن رفض اختبار هذه النافذة الدبلوماسية، مهما كانت محدودة، ربما ساهم—بشكل غير مباشر—في إغلاق مسار كان يمكن أن يوفر بدائل أقل كلفة. كما منح الرفض الإيراني فرصة أكبر ومجالًا أوسع لحكومة نتنياهو والأطراف الأكثر ميلًا للتصعيد داخل أروقة صنع القرار في واشنطن، للدفع نحو خيار المواجهة الشاملة مع إيران.

من المهم التأكيد هنا أن الحرب التي اندلعت لاحقًا تظل، في جوهرها، نتيجة قرار أمريكي–إسرائيلي بالتصعيد، ولا يمكن تحميل إيران مسؤوليتها. لكن في الوقت ذاته، فإن خيارات طهران خلال تلك المرحلة الحرجة ربما لم تستثمر كل الفرص المتاحة لتقليل المخاطر أو إعادة توجيه المسار.

في النهاية، قد لا تكون مشاركة إيران في قمة شرم الشيخ بمفردها كفيلة بمنع اندلاع الحرب، لكنها ربما كانت ستقلل فرص وقوعها، أو على الأقل تأجيلها، وفتح هامش أوسع للحلول السياسية.

وهنا تكمن المفارقة: أحيانًا لا تكون الفرص الدبلوماسية كافية لإنهاء الأزمات، لكنها قد تكون كافية لمنعها من الانفجار.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء