كتبَ الكاتبُ الصحفيُّ الكبيرُ "خالد محمود"، المُتخصصُ في الشأن السوداني، عن فكرة بني صهيون الجديدة لتهجير الشعب الفلسطيني إلى جنوب السودان، والتي تتداول أخبارٌ متضاربةٌ عنها بين النفي والتأكيد. لكن المؤكد أن قرار تهجير الفلسطينيين قد اتُخذ بالفعل داخل البيت الأبيض خلال اجتماع "نتنياهو" بـ"ترامب". ولأنني لستُ مُختصًا بالشأن السوداني وتعقيداته، أطرحُ لكم وجهةَ نظر الزميل "خالد محمود" كما هي، مع اتفاقنا على رفض همجية التهجير ومساندتنا بكل قوة حق كل الشعوب في تقرير مصيرها على أرضها، خاصة الشعب الفلسطيني البطل.
كتب "خالد محمود":من ينقذ سكان غزة من المحرقة الإفريقية ودفنهم في الغابة؟ خبر تهجير الفلسطينيين إلى جنوب السودان ظهر مثبتًا ومنفيًا عشرات المرات، وفي وكالات ومنصات (لا تتزعزع)، نشرته «رويترز» (منسوبًا إلى 3 مصادر حجبت أسماءها)، و«الأسوشيتد برس» (منسوبًا إلى 6 مصادر)، و«التلغراف» (التي قالت إن مسؤولًا بوزارة خارجية جنوب السودان أكد موافقة بلاده)، و«جيروزاليم بوست» التي قالت (والتغطية متجددة)، وبعدهم «سي إن إن»، و«الجزيرة» وعشرات المواقع. وهكذا، غالبًا ما يرجح الظن أن الخبر حقيقي. يعزز ذلك الزيارات المكوكية الدائرة بين الطرفين، ومنها زيارة وزير خارجية جنوب السودان إلى تل أبيب. الصفقة -بحسب المصادر- تشمل رفع العقوبات عن جنوب السودان وضمان استثمارات لها، وبالتأكيد رشاوى لساسة ووسطاء، كما جرت العادة في صفقات قذرة من هذا النوع.
المشكلة ليست في التهجير وحده، كما يمكن أن تستطرد في كل حديث عن تهجير للأشقاء الفلسطينيين، المشكلة الإضافية في المحرقة التي تنتظر الفلسطينيين هناك. فأولًا، جنوب السودان يعيش حربًا أهلية تهدأ وتثور في ظل واقع قبلي ممزق. ثانيًا، وكما يقول الحقوقي السوداني "إدموند ياكافي": "كل أرض في جنوب السودان ملك لمجموعة قبلية، وغالبًا ما تكون الأرض مرتبطة إثنيًا". وبالتالي، فالمُهَجَّرون الفلسطينيون مدعوون لحرب لا يملكون فيها حتى حق امتلاك سكاكين. ثالثًا، المزاج العام الجنوب سوداني معادٍ للفلسطينيين بوصفهم (عرب وجلابة وتجار عبيد عانى منهم الجنوبيون تاريخيًا)، بحسب الفكر الجنوبي، وبالتالي سوف يتم استقبال هؤلاء الناس بالسيوف والهراوات. وزيرة داخلية جنوب السودان "سيمايا كوما" ذاتها وصفت الفلسطينيين بأنهم (نفايات بشرية). الكاتب الدكتور "ألدّو أجو دينق أكوي" وصف المشروع بأنه (جلب للإرهاب والإرهابيين إلى جنوب السودان)، وقال إن الجنوبي (لا يحتاج إلى محاضرة لتذكيره بالهيمنة العربية والاسترقاق العربي وآخره مشروع الإنقاذ). حتى المثقف والروائي التقدمي الدكتور "آرثر غبريال"، رغم رفضه للمشروع (لأن أخلاقنا كجنوبيين لا تسمح باجتثاث الإنسان من داره)، لم تخلُ كتابته من التهجم على العرب، ويقصد هنا الفلسطينيين الذين وصفهم بالأعراب.
هناك عنصر أخير يشير إليه الحقوقي "ياكافي" أن الدولة في جنوب السودان (لا تكفل الحماية لمواطنيها)، فكيف بالتالي ستضمن الحماية لغرباء غير مرحب بوجودهم؟! إنها محرقة وضيعة لا شك، ويشرف عليها ويشجعها "دونالد ترامب" نفسه، الذي وافقت جنوب السودان على مشروعه لتوطين المهاجرين الأميركيين في أرضها، واستقبلت فعلًا ثمانية منهم. كما تقدم إسرائيل –علاوة على ضمان رفع عقوبات عن أشخاص واستثمارات (ستأتي بها من الخليج)– التدريب العسكري الذي -كما تقول مصادر جنوب سودانية- بدأ بالفعل.
السؤال هنا... ليس "هل سيقف العالم مكتوف الأيدي؟" لأنه أصبح سؤالًا مملًا، وإنما "هل سيقبل العالم في الموجة الكولونيالية الجديدة ما لم يفعله في الموجات الكولونيالية القديمة.. وهي رمي البشر للافتراس في الغابة هكذا بكل بساطة؟"
محمد رفعت