ترويج تهمة الإرهاب وتفعيل "عقيدة الأخطبوط"
تقرير لـ باستيت:استراتيجية إسرائيل في استهداف القيادات الإيرانية
منذ الدقائق الأولى لانطلاق الحرب الإسرائيلية–الأمريكية على إيران في 28 فبراير 2026، شكلت عمليات استهداف القيادات الإيرانية ورموز النظام السياسي والعسكري أولوية استراتيجية لدى إسرائيل، بما يتجاوز الأعراف المعتمدة في التعامل مع رؤساء الدول والحكومات، حتى في أوقات النزاعات المسلحة. وتعكس هذه العمليات استراتيجية إسرائيلية مستمدة من "عقيدة الأخطبوط"، التي أعلن عنها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، نفتالي بينيت، إلى جانب مبررات تستند إلى تصنيف النظام الإيراني ككيان سياسي وعسكري يُعامل وفق مبادئ مكافحة التنظيمات الإرهابية.
وقد تجلت هذه الاستراتيجية على المستويين العسكري والميداني، فيما ظهرت أيضًا إعلاميًا ودعائيًا عبر الخطاب السياسي الإسرائيلي الموجه للجمهور العربي والدولي. ويهدف هذا المقال إلى بيان المبررات الإسرائيلية لاستهداف القيادات الإيرانية وطرق التعبير عنها من خلال قنواتها الدعائية.
أولاً- "عقيدة الأخطبوط": الاستراتيجية الإسرائيلية في استهداف قيادات إيران
قُدمت "عقيدة الأخطبوط" لأول مرة من قبل عضو مجلس الوزراء الأمني الإسرائيلي، الوزير نفتالي بينيت، في عام 2018، عندما ألقى خطابًا اعتبر فيه أن على إسرائيل أن تنظر إلى إيران بوصفها "رأس أخطبوط"، وأن وكلاءها، المتمثلين في "حزب الله" و"حماس" والميليشيات في سوريا، هم بمثابة أذرع هذا الأخطبوط. وبناءً على ذلك، فإن مواجهة إيران لا تقتصر على استهداف هذه الأذرع، بل تتطلب تكثيف العمليات ضد برامج إيران النووية والصاروخية، فضلاً عن زيادة استخدام الطائرات بدون طيار على الأراضي الإيرانية، فيما أطلق عليه "التعامل مع الرأس".
وخلال الحرب الإسرائيلية–الأمريكية على إيران 2026، برزت هذه العقيدة بوضوح في سلسلة الاغتيالات الإسرائيلية، التي بدأت باغتيال المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية "علي خامنئي"، إلى جانب نحو 40 من كبار القادة العسكريين، في الدقائق الأولى للحرب، كما ظهرت ايضًا في الدعاية الإسرائيلية، التي ركزت على إبداء الفخر والانتصار والشعور بلذة القضاء على رموز وقادة النظام الإيراني، مع تكرار عبارات التبرير لاستهداف القيادات الإيرانية، والتي شملت القول بالسعي لهدم النظام الإيراني بشكل كامل ونهائي، مع تقديم مبررات تتراوح بين حماية العالم من الممارسات الإيرانية الضارة، أو مساعدة الشعب الإيراني على الإطاحة بالنظام عبر إضعافه، بما يسهل استبداله بنظام لا يتبنى عقيدة الثورة الإسلامية أو فكرها.
وكانت صفحة إسرائيل تتكلم بالعربية على موقع التواصل فيسبوك، إلى جانب الحسابات المختلفة لأعضاء الحكومة الإسرائيلية على مواقع التواصل الاجتماعي، من أبرز المنصات التي روّجت لهذه الرسائل. وقد تجسّدت الدعوات المتعلقة بإنقاذ الشعب الإيراني والعالم في خطاب يؤكد أن هذه الضربات لا تعدو كونها دعمًا لهذا الشعب الذي يعاني تحت وطأة نظام الملالي. وتحمل هذه الرسائل بعدين رئيسيين: أولهما التأكيد على دعم الشعب الإيراني، وثانيهما نفي المسؤولية الكاملة لإسرائيل عن إسقاط النظام، باعتبار أن الفعل النهائي يعود إلى الشعب ذاته، بينما تقتصر إسرائيل على دور "الصديق الداعم".
وفي هذا السياق، تكررت أوصاف للنظام الإيراني مثل "الاستبدادي" و"الطغياني"، إلى جانب استخدام عبارات ذات دلالات سلبية مثل "البغيض"، فضلًا عن ترويج تعبيرات من قبيل "مواصلة استهداف رؤوس الإرهاب الإيراني" بوصفها وسيلة لتحرير المنطقة من "شرورهم"، وتقويض أركان النظام تمهيدًا للإطاحة به، بما يمنح الشعب الإيراني "فرصة للتخلص منه".
وقد رافق ذلك الترويج لمشاعر الفخر والإشادة بالقضاء على قادة الوحدات العسكرية، وهو ما ارتبط باستخدام ألفاظ تحمل قدرًا كبيرًا من المبالغة بشأن عدد القادة الإيرانيين الذين تم اغتيالهم ومناصبهم. وأسهم هذا الخطاب في تصوير تلك العمليات بوصفها إنجازًا يعكس حالة من الانتصار – وإن كان ذا طابع دعائي – لإسرائيل، وفي الوقت نفسه الإيحاء بإمكانية هدم النظام الإيراني عبر استهداف الهرم القيادي للحرس الثوري والباسيج، بما في ذلك شخصيات مثل علي لاريجاني ووزير المخابرات، مع التأكيد على أنهم من كبار القيادات المؤثرة. كما جرى تقديم هذه العمليات باعتبارها خطوة من شأنها تقويض منظومات القيادة والسيطرة الأمنية التابعة للنظام.
وبشكل عام حرصت إسرائيل على تأكيد أن قرارها باستهداف النظام الإيراني لم يكن قرارًا منفردًا، في مسعى لنفي الطابع الفردي للمسؤولية وتفادي الانتقادات الدولية، حيث كررت مع كل تحرك أو عملية نفذتها ضد النظام الإيراني تأكيدها على وجود تنسيق وثيق مع الولايات المتحدة. وقد اقترن هذا الخطاب باستخدام ألفاظ توحي بطابع يتجاوز الرسمية نحو إبراز متانة العلاقات بين الطرفين، لا سيما في التصريحات الصادرة عن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بشأن طبيعة الصداقة مع الولايات المتحدة، والتعاون غير المسبوق مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

منشور على صفحة إسرائيل تتكلم بالعربية على فيسبوك، بتاريخ 2/3/2026، متاح على الرابط: https://www.facebook.com/IsraelArabic/posts/pfbid025vn2pC2Jxc7W5sd65YMFZq5H1SLM59qUbAJQtgPMoCP3T8pPMkWnUjcZCz19fHGXl
ثانيًا- تعامل إسرائيل مع قادة إيران بوصفهم زعماء تنظيم إرهابي
لا تتعامل إسرائيل مع قادة إيران بوصفهم قادة لنظام سياسي وعسكري فحسب، بل تصنّفهم كقادة لتنظيم إرهابي متطرف، وتتعامل مع زعمائه باعتبارهم إرهابيين، على غرار تنظيم القاعدة وتنظيم داعش وغيرها من التنظيمات الإرهابية. وبناءً على هذا التصنيف، يُنظر إلى استهداف هؤلاء الزعماء باعتباره مسألة مبررة ضمن الاستراتيجية الإسرائيلية.

منشور بصفحة إسرائيل تتكلم بالعربية على فيسبوك، بتاريخ 17/3/2026، متاح على الرابط: https://www.facebook.com/IsraelArabic/posts/pfbid0mNwzEwmZS4SHb6tNjQcd2evEsKcEoxSgeXwfqgZevGKYdJy5w3bqR3RNPWwRbC4Ql
وبالعودة إلى تاريخ هذه الاستراتيجية، فقد بدأت عندما تولّت الولايات المتحدة الأمريكية بمفردها مهمة مكافحة الإرهاب، واستهداف زعماء التنظيمات الإرهابية بالقتل والاغتيال دون الرجوع إلى المؤسسات الدولية. وقد انطلقت هذه السياسة مع استراتيجية الأمن القومي الأمريكية لعام 2002، التي تضمنت السعي لتدمير المنظمات الإرهابية ذات النفوذ العالمي، ومهاجمة قيادتها، ومراكز القيادة والسيطرة والاتصالات، بالإضافة إلى تعطيل مصادر الدعم المادي والتمويل. كما شملت استراتيجية مكافحة الإرهاب لعام 2011 إجراءات تهدف إلى منع استخدام الإرهابيين لأسلحة الدمار الشامل.
وقد اقتبست إسرائيل هذه الاستراتيجية لتطبيقها على كل من تعتبرهم إرهابيين في أي بقعة سواء داخل فلسطين أو خارجها وفق منظورها، مستندة إلى مبدأ شرعية تصفية أولئك الذين تزعم أنهم يشكلون تهديدًا على الأمن الإسرائيلي. وتعتمد الاستراتيجية على طمس التمييز بين العناصر العسكرية والقادة السياسيين، ما يؤدي إلى نزع الشرعية عن القيادة السياسية، واستبعاد أي إمكانية للتفاوض معها بحجة افتقارها إلى الشرعية.
وقد عبر رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، صراحة عن هذا الفكر والاستراتيجية، عقب الهجوم الإسرائيلي على مقرات إقامة قادة حركة حماس عام 2025 في العاصمة القطرية الدوحة، معتبرًا أن ما قام به إسرائيل مماثل تمامًا لما فعلته الولايات المتحدة عند استهدافها قادة تنظيم القاعدة في باكستان وأفغانستان. مطلقًا تهديدًا عامًا بأن أي دولة تؤوي إرهابيين – وفق المنظور الإسرائيلي – إما أن يطردوا أو يقدموا للمحاكمة، أو ستتولى إسرائيل تنفيذ هذا الإجراء نيابة عنها.
وخلال الحرب الإسرائيلية–الأمريكية على إيران، جرى تبرير سلسلة الاغتيالات التي استهدفت قادة النظام الإيراني بالاستناد إلى اعتباره، بكل مكوناته – ولا سيما الحرس الثوري وقوات الباسيج، بل والمرشد الأعلى نفسه – تنظيمًا إرهابيًا منزوع الشرعية. ووفق هذا التصنيف، يُقدَّم استهداف قادته بوصفه ليس مجرد خيار ممكن، بل ضرورة ملحّة، بل ويُصوَّر أحيانًا باعتباره خدمة للبشرية وفق المنظور الإسرائيلي.
وقد عكست الدعاية الإسرائيلية هذا التوجه من خلال خطاب اتسم بالمبالغة، اعتمد على الربط المستمر بين النظام الإيراني والإرهاب، عبر استخدام توصيفات مثل "قادة الإرهاب"، و"إرهابيون في نظام استبدادي"، ووصف المرشد الإيراني بأنه يمثل "قمة الهرم الإرهابي في إيران". كما استمر هذا الخطاب في اتهام قادة إيران بنشر الإرهاب عالميًا والتورط في عمليات إرهابية دولية، في محاولة لتشويه صورتهم وكسب التعاطف الدولي دعمًا لعملياتها العسكرية..

منشور بصفحة إسرائيل تتكلم بالعربية على فيسبوك، بتاريخ 4/3/2026، متاح على الرابط: https://www.facebook.com/IsraelArabic/posts/pfbid0Qtk1tgcWw3zGsF5GVVncAssJwfQyxRc1ZPEGNkBRCf6DkCrJpgeHxg3fHvmDZvM2l
وفي ظل؛ هذا التوجه الإسرائيلي–الأمريكي، الذي يبيح أي تحرك مهما كانت طبيعته لاستهداف من يعتبرونه تهديدًا لأمن إسرائيل والمصالح الأمريكية في أي مكان بالعالم، يظل التساؤل قائمًا حول من له الحق في تنفيذ عمليات القتل لأي شخص بناءً على وصفه أو منصبه أو توجهه السياسي. كما يطرح السؤال عن مدى مشروعية التوسع في استخدام لفظ "إرهاب"، ونزع الشرعية، وتوسيع دائرة الاستهداف بشكل أحادي من قبل دولة واحدة، وما إذا كانت هذه الممارسات تحقق بالفعل الاستقرار والأمن الدوليين، أم أنها تفتح الباب لدائرة لا نهائية من الفوضى والدمار وسوء استغلال القوة والسلطة.
كما يثير تصنيف الحرب الإسرائيلية–الأمريكية على إيران باعتبارها نزاعًا مسلحًا تساؤلات عدة حول مدى شرعية استهداف جميع رموز النظام الإيراني بالقضاء التام. وإذا كان هذا التصنيف صحيحًا، فلماذا لا يُطبق على نزاعات أخرى، مثل استهداف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي، أو العكس؟
كما يطرح السؤال حول صحة افتراض إسرائيل بأن القضاء على النظام الإيراني ورموزه يمثل خدمة للشعب الإيراني ويسهم في إسقاط النظام. فهل من حق دولة أخرى التدخل لإسقاط نظام سياسي أو مساعدة شعب على ذلك؟ وهل يؤدي إسقاط نظام سياسي بتدخل خارجي إلى تحقيق الاستقرار الداخلي؟ فالواقع يشير إلى أن هذه المحاولات لم تحقق الاستقرار أبدًا، إذ أن الشعوب وحدها تمتلك الحق في اختيار حكامها.

