ما هي أهمية جزيرة «خرج» الاستراتيجية والنفطية في الصراع والحرب|تقرير
هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، باستهداف جزيرة «خرج»، التي تُعد المركز الرئيسي لصادرات النفط الإيرانية، في حال فشل التوصل إلى اتفاق سلام مع طهران، كما تحدثت بعض وسائل الإعلام الغربية عن استعدادات داخل وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون»؛ لاحتمال تنفيذ عملية إنزال عسكري في الجزيرة.
أين تقع جزيرة خرج الإيرانية؟.. وما أهميتها؟
وهذا التصعيد يثير تساؤلات حول الأهمية الاستراتيجية لجزيرة «خرج»، ولماذا تحظى بكل هذا الاهتمام من جانب الولايات المتحدة، حيث تقع الجزيرة في الخليج العربي، وهي جزيرة صغيرة ذات طبيعة مرجانية، وموقعها الجغرافي يجعلها تبدو غير بارزة على الخريطة؛ لكنها في الواقع تقع في شمال الخليج على بعد نحو 25 كيلومترًا من الساحل الإيراني، وتحديدًا شمال غرب مدينة «بوشهر»، حيث تبلغ مساحتها قرابة 20 كيلومترًا مربعًا، ورغم صغر حجمها فأن تأثيرها كبير للغاية.
تكمن أهمية جزيرة «خرج» بالنسبة لجمهورية إيران الإسلامية في كونها تمثل الشريان الرئيسي لصادرات النفط، فمن خلالها يتم تصدير ما بين 90 إلى 95% من النفط الإيراني المنقول بحرًا، حيث تضم الجزيرة عددًا كبيرًا من خزانات التخزين الضخمة التي تصل سعتها الإجمالية إلى ما بين 28 و30 مليون برميل، وفي الظروف الطبيعية تمر عبر منشآتها يوميًا كميات تتراوح بين 1.5 و1.7 مليون برميل، لكن مع تصاعد التوتر في فبراير 2026 رفعت إيران صادراتها الى مستوى قياسي بلغ 3.79 مليون برميل يوميًا.

جزيرة خرج نقطة ضعف بالنسبة إلى إيران
إذ تُعد الصين المستورد الأكبر للنفط الإيراني، حيث تستحوذ على ما بين 80 و91% من الكميات التي تخرج من جزيرة «خرج»، ما يجعل الجزيرة نقطة مهمة ليس فقط لإيران بل أيضًا لسوق الطاقة العالمي، ومن العوامل التي تزيد من أهميتها أن المياه المحيطة بها عميقة نسبيًا، حيث يصل عمقها إلى أكثر من 30 مترًا، وهو ما يسمح للناقلات العملاقة بالرسو بسهولة، كما أن الشعب المرجانية المحيطة بها تعمل كحواجز طبيعية تقلل من تأثير الأمواج والعواصف على السفن.
والاهتمام الأمريكي بجزيرة «خرج» الإيرانية يرتبط بشكل مباشر بقدرتها على التأثير في الاقتصاد الإيراني، فوفقًا لتقارير غربية، ترى واشنطن أن السيطرة عليها أو تعطيلها يمكن أن يوجه ضربة اقتصادية قوية إلى طهران، لأن أي توقف في عمل هذه المنشأة يعني فقدان المصدر الرئيسي للعملة الصعبة، وهو ما قد يؤدي إلى انهيار الميزانية وتراجع قيمة العملة المحلية وتعطل البرامج الاقتصادية والاجتماعية.
ولا يقتصر دور جزيرة «خرج» على الجانب الاقتصادي فقط، بل تمتلك أيضًا أهمية عسكرية كبيرة، فهي تمثل نقطة متقدمة إلى إيران في الخليج العربي، وتتيح لها مراقبة جزء واسع من مياهه، كما تضم قواعد بحرية وجوية تابعة للحرس الثوري، إلى جانب زوارق سريعة ومنصات صواريخ ومطار قادر على استقبال الطائرات العسكرية، كما أن جزءًا كبيرًا من هذه المنشآت مخفي داخل التكوينات الصخرية، ما يمنحها قدرًا من الحماية ضد الضربات الجوية.

تاريخ جزيرة خرج الإيرانية.. والتداعيات على السوق العالمية
وترتبط جزيرة «خرج» أيضًا بشكل مباشر بمضيق هرمز، حيث تُعد جزءًا من استراتيجية إيران للسيطرة على حركة الملاحة في هذا الممر الحيوي، لذلك فأن أي تهديد للجزيرة ينعكس تلقائيًا على أمن الملاحة في مضيق هرمز، وقد حذرت إيران مرارًا من أنه في حال فقدت القدرة على تصدير نفطها عبر الجزيرة، فأنها لن تسمح لأي طرف آخر بتصدير النفط عبر مضيق هرمز.
وفي حال تعرضت جزيرة «خرج»؛ لهجوم أو محاولة سيطرة عسكرية، فأن ذلك يعني انتقال الحرب إلى مرحلة جديدة أكثر خطورة، حيث تشير التقديرات إلى أن الرد الإيراني سيكون شديدًا، وقد يمتد إلى استهداف منشآت نفطية في المنطقة بأكملها، كما أن ضرب منشآت التخزين والموانئ في الجزيرة قد يؤدي إلى حرائق واسعة وتلوث بيئي كبير في مياه الخليج.
وقد حذر مسؤولون إيرانيون من، أن أي هجوم على منشآت الطاقة سيؤدي إلى رد قاسٍ، حيث أشار المتحدث باسم هيئة الأركان العامة إلى أن منشآت النفط والغاز في المنطقة قد تتحول؛ لدمار شامل في حال تعرضت جزيرة «خرج» لهجوم، كما أكد البرلمان الإيراني أن العواقب ستكون أوسع حتى من تأثير إغلاق مضيق هرمز.
والتداعيات لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي، فقد أدى استهداف الجزيرة بالفعل إلى اضطراب في أسواق الطاقة، حيث ارتفعت أسعار النفط بشكل ملحوظ وتجاوزت مستويات نفسية مهمة، وفي حال استمرار التصعيد أو تعرض منشآت جزيرة «خرج» لأضرار كبيرة، قد ترتفع الأسعار إلى مستويات أعلى بكثير، خاصة أن توقفها يعني فقدان نسبة ملحوظة من تجارة النفط العالمية لا يمكن تعويضها بسهولة.
كما أن التوتر في المنطقة انعكس على حركة الملاحة، حيث ارتفعت تكاليف التأمين على ناقلات النفط، واضطرت شركات الشحن إلى تغيير مساراتها، وهو ما زاد من تكاليف النقل ومدة التوصيل، وانعكس في النهاية على أسعار الوقود في العديد من الدول.

الحرب الإيرانية العراقية.. وآراء الخبراء وتوقعاتهم
وتاريخ جزيرة «خرج» يوضح سبب حساسيتها، فهي لم تكن دائمًا مركزًا نفطيًا، بل كانت في العصور القديمة محطة عبور للبحارة والتجار، ومع اكتشاف النفط وتطوير البنية التحتية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، تحولت إلى مركز رئيسي لتصدير النفط الإيراني، حتى أصبحت بحلول السبعينيات مسؤولة عن الجزء الأكبر من صادرات البلاد.
وخلال الحرب الإيرانية العراقية تعرضت جزيرة «خرج» لهجمات متكررة، حيث استهدفتها القوات العراقية في محاولة لشل الاقتصاد الإيراني، وهو ما كشف عن مدى أهميتها، وفي الوقت نفسه مدى تعرضها للمخاطر.
ـما على صعيد التوقعات، فيرى بعض الخبراء ـن تنفيذ عملية برية واسعة من جانب الولايات المتحدة ليس أمرًا وشيكًا، لأن مثل هذه العمليات تحتاج إلى استعدادات طويلة، ومع ذلك لا يستبعد البعض سيناريو تنفيذ عمليات محدودة، مثل استخدام قوات مشاة البحرية للسيطرة على جزيرة «خرج»، وهو ما قد يؤدي إلى توقف شبه كامل لصادرات النفط الإيرانية ويمنح واشنطن قدرة أكبر على التحكم في طرق الملاحة.
وفي المقابل، تشير تقديرات أخرى إلى أن الصراع قد يطول لفترة أطول مما كان متوقعًا، وربما يستمر عدم الاستقرار في المنطقة لعدة أشهر، خاصة في ظل غياب مؤشرات واضحة على توجه نحو حل دبلوماسي، واستمرار التحضيرات العسكرية التي قد تمهد لعمليات أكبر في المرحلة المقبلة.