نجاح وزارة الداخلية في توجيه ضربات أمنية لتنظيم الاخوان الإرهابي والحركات والأذرع التابعة له خلال الفترة الأخيرة لا يعني غير شيء واحد، وهو أن الإرهاب لا يزال حيًا. الإرهاب في الأصل هو أفكار طبيعتها متشددة متطرفة، والأفكار لا تموت. الضربات الأمنية التي تلقتها الجماعة المحظورة ما بعد لفظها شعبيا في ثورة الثلاثين من يونيو لا تعني اختفاء التهديد، بل تحاول الجماعة التكيف وإعادة إنتاج نفسها وأفكارها في ثوب وأشكال جديدة غير نمطية، في سياق التحول من "تنظيم هرمي" إلى خلايا متعددة و "ذئاب بشرية" تنتظر الفرصة السانحة لتعاود الانقضاض والإغارة مرة أخرى على مقدرات الوطن، لكن هيهات فمؤسسات الدولة اليقظة تقف بالمرصاد.
لذلك ليس السؤال اليوم هل انتهى الإرهاب؟ بل ما هي أنماطه الجديدة؟ وكيف وأين سيظهر ويضرب من جديد؟ في سياق الإجابة على تلك الأسئلة تبدو الإشارة مهمة للحرب الأمريكية ــ الإسرائيلية على إيران. لذلك ـ وأيا ما كانت النتائج التي ستنتهي إليها تلك الحرب ــ فإنها سوف تمثل رافداً ومحفزاً جديداً للإرهاب في منطقة الشرق الأوسط، لكن في نسخ أكثر تطرفاً وتعقيداً وخطورة. لأن عدم الاستقرار والفراغ هو بمثابة بيئة خصبة للإرهاب والتنظيمات، وراجع معي عزيزي القارئ، والعبرة هنا للتاريخ من الذي ملء الفراغ واستغل حالة عدم الاستقرار في كل من: العراق، سوريا، السودان، والصومال. الإجابة قولا واحدا هي التطرف والإرهاب.
خطورة الحرب على إيران؛ أنها حرب متعددة العُقد والإشكاليات، ومن ثم متعددة التداعيات والارتدادات السلبية على دول المنطقة، ليس فقط على مستوى الاقتصاد لكن الأكثر خطورة فيما يتعلق بالإرهاب. هذه الحرب العقائدية التعبوية التي تتجاوز حدود أطرافها جغرافيا، وسياسيا واستراتيجيا سوف يتم استغلالها من قبل الجماعات والتنظيمات المتطرفة في عمليات التجنيد والتعبئة تحت شعارات مجابهة الهيمنة الأمريكية والتمدد الإسرائيلي وغيرها من الشعارات والسرديات التي تجيد تلك الجماعات إطلاقها وإثارة عواطف الشباب باللعب على وتري الدين والاضطهاد. ناهيك عن مهددات تحول القوى العسكرية والأمنية الإيرانية إلى ميليشيات شيعية إذا ما انتهت تلك الحرب بسقوط النظام في طهران. وهنا لا نتحدث فقط عن تنظيمات سنية متشددة، بل أيضًا عن شبكات مسلحة مرتبطة بمحاور إقليمية. وعن نمط جديد من الإرهاب تحت مسمى "الإرهاب الشيعي" المحمل بعقيدة الثأر.
ليس هذا فقط؛ فالتداعيات الاقتصادية لتلك الحرب، وآثارها السلبية على شعوب ومجتمعات المنطقة، تمثل محفزا غير مباشر للإرهاب، وتراجع معدلات التنمية يشكل بيئة خصبة تستغلها جماعات الإرهاب في التجنيد والتعبئة.
لذلك إذا كانت واشنطن وحليفاتها قد أطلقا تلك الحرب بزعم تحقيق استقرار، وتخليص العالم من تهديدات وخطر النظام في إيران، فإنها في المقابل تطلق مهددات أوسع وأكثر خطورة ولمدى بعيد، لن يعاني منها المنطقة، بل العالم أجمع وفي المقدمة كل من واشنطن وتل أبيب.
هنا الدور المصري، والرؤية المصرية التي تذهب لأبعد وأعمق من وقف إطلاق النار، الرؤية التي رأت وقرأت مخاطر ما يحدث الان منذ طوفان الأقصى وما تلاها من عدوان وحرب إبادة، وما حذرت منه مصر، ورآه البعض أنه حلقة جديدة من حلقات الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، مع الأسف قد تحقق؛ فالساحات تعددت، ورقعة الصراع اتسعت، والحرب لم تعد إقليمية فقط، بل ومرشحة للتصعيد.
ما تبحث عنه مصر ليس مجرد دعم وتضامن تقليدي قائم على استقرار هش، مصر تريد استقرار حقيقي، ونظام إقليمي متوازن يدعم ذلك الاستقرار، لأن المستقبل جد خطير، وأعداء الداخل أشد خطورة من خطر الخارج. مصر تريد استقرار لا فوضى وفراغ يمثل بيئة خصبة للتطرف والإرهاب. مصر تريد استقرار وأمن يحفظ برامج ومسيرة التنمية ومكتسباتها في كل الدول العربية. وهكذا يروي ويحكي لنا التاريخ في كل فصوله عن مصر والدور المصري.