رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

نتنياهو في خطاب التناقضات: مزيج من هوس السلطة وتهديد الخصوم

رئيس الوزراء الإسرائيلي
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو

خطاب المقاعد الفارغة

افتتح بنيامين نتنياهو خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا العام بمشهد رمزي لافت؛ عشرات الحضور غادروا القاعة، بينما بقي الوفد الإسرائيلي مصفقًا بحرارة، يجاوره الوفد الأمريكي، وعدد محدود من ممثلي دول أخرى. تلك البداية لم تكن تفصيلًا عابرًا، بل شكلت خلفية بصرية تلخص العزلة الدولية المتزايدة لإسرائيل، في مقابل الدعم الأمريكي شبه المطلق.

نتنياهو صعد المنبر حاملًا خريطة سماها "اللعنة – The Curse"، متحدثًا عن "الهلال الإيراني" وبرنامج طهران النووي، ومذكّرًا بقائمة طويلة من "الإنجازات" العسكرية: اغتيال قيادات من حزب الله وحماس والحوثيين، استهداف ترسانة أسد في سوريا، ضرب الميليشيات الشيعية في العراق، وتصفية علماء نوويين إيرانيين. بدا الخطاب في بدايته أقرب إلى استعراض "نصر عسكري شامل" على سبع جبهات مفتوحة.

إيران .. الخصم الأبدي

أفرد نتنياهو سبع دقائق متواصلة للحديث عن إيران الغائبة عن القاعة، إذ ترك الوفد الإيراني مقاعده فارغة مع لوحات لصور شهداء سقطوا في هجمات إسرائيلية داخل إيران، وصف حرب "الاثني عشر يومًا" ضد طهران بأنها محطة تاريخية، مشيدًا بالدور الأمريكي في إبطاء البرنامج النووي الإيراني، ومتعهدًا بمواصلة تدمير ما تبقى من قدرات تخصيب اليورانيوم. هكذا حافظ على صورته أمام الداخل الإسرائيلي باعتباره "المخلّص" من الخطر الوجودي الأكبر.

بروباجندا متقنة: من دبوس الـ QR إلى خطاب الرهائن

في الدقيقة (7:40) انتقل نتنياهو إلى هجمات 7 أكتوبر، رابطًا إياها بالمحرقة النازية، ومروّجًا عبر "دبوس QR" لفيلم قصير عن تلك الوقائع بعيون إسرائيلية، تحدث عن "12 ألف قتيل" بينهم 40 أمريكيًا وعشرات من جنسيات أخرى، و250 رهينة استعاد منهم 207. ثم وجه خطابًا مباشرًا بالعبرية للأسرى، مدعيًا أن كلماته تُبث عبر مكبرات الصوت في غزة: "لم ننساكم، ولن ندخر جهدًا لإعادتكم أحياء أو أمواتًا."

هذا المشهد يحمل أبعادًا مركبة: فهو يرسخ صورة نتنياهو كقائد لا ينسى جنوده، ويمنح الخطاب بعدًا عاطفيًا أمام الجمهور المحلي، ويعيد تدوير سردية "حرب البقاء" أمام الرأي العام الدولي.

إلى حماس: استسلموا أو موتوا

في الدقيقة (11:38)، وجّه نتنياهو رسالته لقادة حماس عبر بث مزعوم إلى هواتف غزة: "استسلموا وأطلقوا سراح الرهائن، ستبقون أحياء، إن رفضتم، ستطاردكم إسرائيل حتى النهاية."

هذا التهديد جاء متلازمًا مع عرض "خيار السلام" بعد الحرب: نزع سلاح غزة، سيطرة إسرائيل الأمنية، وإنشاء سلطة مدنية "مطيعة" تقبل السلام مع إسرائيل.

خطاب موجّه للغرب: إسرائيل تحارب بالنيابة عنكم

من الدقيقة (13) تحوّل الخطاب إلى صياغة واضحة للرسالة المركزية: إسرائيل لا تحارب من أجل نفسها فقط، بل بالنيابة عن أمريكا وأوروبا، رفع لوحة تحمل أسئلة حول "من يردد الموت لأمريكا؟" و "من قتل الأمريكيين والأوروبيين؟" ثم قدّم الجواب الحاسم: "كل ما سبق – إيران، حماس، حزب الله، الحوثيون."

بذلك ربط بين أعداء إسرائيل وأعداء الغرب في سردية واحدة، ليقول صراحة: "إسرائيل تحارب نيابة عنكم ضد التطرف الإسلامي الذي يهدد مجتمعاتكم."

من سبع جبهات إلى اتهامات الإبادة

استعرض نتنياهو سبع جبهات عسكرية فتحتها إسرائيل ضد "الإسلاميين"، مبررًا ذلك بأن "اليهودية هي هوية وطنية" لا تقبل التهديد، ثم رد على اتهامات الإبادة الجماعية: استشهد بدراسات عسكرية تقول إن نسبة المدنيين إلى المقاتلين في ضحايا إسرائيل أقل مما حققته حروب الناتو في العراق وأفغانستان.

لكنه لم يكتف بالدفاع، بل قلب الطاولة: إذا كانت إسرائيل تحذر المدنيين قبل القصف، فكيف تُتهم بالإبادة؟! شبّه ذلك بسؤال ساخر: "هل طلب النازيون من اليهود أن يغادروا؟"

غزة بين الدروع البشرية والمساعدات المسروقة

واصل نتنياهو في الدقيقة (21:53) اتهام حماس باستخدام المدنيين كدروع بشرية، وتخزين السلاح في المساجد والمنازل، معتمدًا على سردية أن "ضحايا المدنيين مسؤولية حماس لا إسرائيل". ثم أضاف اتهامًا جديدًا: حماس تسرق 85% من المساعدات الغذائية، وتعيد بيعها بأسعار باهظة، مستشهدًا بتقارير أممية.

الاعتراف بفلسطين = معاداة السامية

أخطر رسائل نتنياهو جاءت في الدقيقة (25:30) حين ربط الاعتراف بالدولة الفلسطينية بموجة معاداة السامية حول العالم. صاغ معادلة شديدة القسوة: "90% من الفلسطينيين احتفلوا بهجوم 7 أكتوبر"، ما يعني – وفق منطقه – أن الفلسطينيين جماعة إرهابية لا يمكن منحها دولة. بل ذهب أبعد حين شبّه الاعتراف بدولة فلسطينية قرب القدس بعد هجوم حماس، بالاعتراف بدولة للقاعدة قرب نيويورك بعد 11 سبتمبر.

هذا الخطاب لم يترك هامشًا لأي تسوية سياسية، بل أغلق الباب نهائيًا أمام حل الدولتين، مستندًا إلى ما وصفه بأنه "إجماع 99% من الإسرائيليين" ضد الدولة الفلسطينية.

السلطة الفلسطينية في مرمى النار

لم يسلم محمود عباس وسلطته من هجوم نتنياهو، إذ وصف السلطة بأنها "فاسدة، غير ديمقراطية، تعلم الأطفال كراهية اليهود، ولا تختلف عن حماس". أضاف أن بيت لحم كانت 90% مسيحية قبل السلطة، وأصبحت أقل من 20% اليوم، الرسالة واضحة: لا فرق بين سلطة رام الله وحركة حماس، وبالتالي لا شريك فلسطيني لأي سلام.

رسائل سلام مشروطة لسوريا ولبنان

على النقيض، تحدث نتنياهو في الدقيقة (35) عن إمكانية فتح مفاوضات مع سوريا "ما بعد بشار" لضمان أمن إسرائيل وسيادة سوريا، مع إشارة خاصة إلى الدروز كأقرب الأصدقاء لإسرائيل، كما المح إلى إمكانية السلام مع لبنان في حال سحب سلاح حزب الله.

هنا برز التناقض: رفض مطلق لدولة فلسطينية، مقابل استعداد للسلام مع دمشق وبيروت إذا توفرت الشروط الأمنية. إنها "السلام وفق شروط إسرائيل وحدها".

خاتمة: بين التباهي والحذر

خطاب نتنياهو أمام الأمم المتحدة كان عرضًا مزدوجًا: استعراض انتصارات عسكرية واسعة، ورسائل تهديد ووعيد للأعداء، لكن في الوقت نفسه استجداء دعم الغرب تحت شعار "نحارب عنكم".

هو خطاب يجمع بين التباهي بالنصر وبين الحذر من التخلي الدولي، إذ يدرك نتنياهو أن إسرائيل لم تعد تملك ترف الحرب الطويلة بلا غطاء خارجي. لذلك سعى إلى إقناع الداخل الإسرائيلي بأنه حقق الردع ضد إيران وحماس وحزب الله، وإقناع الخارج الغربي بأن التخلي عن إسرائيل يعني التخلي عن أمنهم.

غير أن التناقض ظل حاضرًا: سلام مع سوريا ولبنان بشروط إسرائيل، مقابل رفض أي سلام مع الفلسطينيين. بذلك أكد نتنياهو أن استراتيجيته ليست "حل النزاع"، بل "إدارة الصراع" مع تثبيت إسرائيل كقوة فوقية عسكرية وأمنية في المنطقة.

تفنيد قانوني وحقوقي: بين الخطاب والواقع

رغم ما حمله خطاب نتنياهو من محاولات لتوظيف الرموز السياسية والعاطفية، فإنه يتجاهل حقائق جوهرية في القانون الدولي:

الاتهامات بالإبادة الجماعية: دفاعه عن إسرائيل عبر مقارنات مع حروب الناتو لا يلغي أن استهداف مناطق مكتظة بالسكان المدنيين في غزة، مع حصار شامل، يدخل ضمن تعريف العقوبات الجماعية المحظورة بموجب القانون الدولي الإنساني.

المساعدات الإنسانية:

 حديثه عن "سرقة حماس 85% من المساعدات" لا يتسق مع تقارير وكالات أممية عديدة وثّقت أن إدخال المساعدات نفسها يخضع لقيود إسرائيلية مشددة، وهو ما يجعل الاحتلال شريكًا في أزمة الغذاء لا مجرد طرف متضرر.

حل الدولة الفلسطينية: 

ربط الاعتراف بالدولة الفلسطينية بمعاداة السامية يخلط بين نقد سياسات إسرائيل والعداء لليهودية كديانة، وهو خلط تحذّر منه الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية، باعتباره وسيلة لتجريم أي معارضة مشروعة للاحتلال.

ازدواجية السلام:

 طرح نتنياهو لمفاوضات مع سوريا ولبنان، مقابل رفض قاطع لدولة فلسطينية، يكشف تناقضًا بنيويًا: فهو يقبل المفاوضات حيث يرى مصلحة أمنية لإسرائيل، ويرفضها حين تتعلق بالحقوق التاريخية والسياسية للفلسطينيين.

باختصار، خطاب نتنياهو قد يكون مقنعًا لجمهوره الداخلي وحلفائه الغربيين، لكنه هش أمام أدوات القانون الدولي، ويفتقر إلى أي رؤية سياسية عادلة تُنهي الصراع جذريًا.

نانسي طلال زيدان*

 كاتبة وباحثة متخصصة في العلوم السياسية 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء