رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

حذر خليجي من محادثات أمريكا وإيران.. وشكوك في مصداقية ترامب|تقرير

تشكيك خليجي بشأن
تشكيك خليجي بشأن حرب إيران

بعد وقت قصير من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أن الولايات المتحدة تجري ما وصفه بـ«محادثات قوية» بهدف إنهاء الحرب مع إيران خلال هذا الأسبوع، برز موقف لافت من قطر تمثل في ابتعادها عن هذه الجهود الدبلوماسية المفترضة، وهذا يعكس التردد في دعم ما يطرح من جهود أمريكية لوقف إطلاق النار حالة من الشك المتزايد؛ إذ يرى كثيرون أن الحديث عن السلام قد لا يكون سوى غطاء جديد لمزيد من التصعيد بحسب صحيفة الجارديان.

وخلال إحاطة إعلامية يوم الثلاثاء، أوضح ماجد الأنصاري، المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية، أن بلاده لم تشارك في أي مساع للوساطة، قبل أن يضيف بعبارة تحمل قدرا من التشكيك «إن وجدت أصلا»، هذا التصريح عكس تحولًا واضحًا مقارنة بالدور الذي اعتادت قطر لعبه على مدى سنوات، حيث كانت حاضرة بقوة كوسيط رئيسي في عدد من النزاعات في الشرق الأوسط وخارجه، سواء في المفاوضات بين إسرائيل وحماس، أو في المحادثات بين الولايات المتحدة وطالبان، أو في محاولات التوصل إلى تسويات في لبنان والسودان، وهو ما جعل من استضافة القمم والوساطات أحد أهم أدوات نفوذها على الساحة الدولية.

إيران 
إيران 

واشنطن تنفذ هجمات على إيران أثناء المفاوضات 

لكن المشهد تغير هذه المرة، فعلى مدار الأسابيع الثلاثة الماضية تقريبًا، وجدت قطر إلى جانب بقية دول الخليج نفسها في قلب تداعيات الحرب، بعدما تجاهلت الولايات المتحدة في نهاية المطاف الجهود التي بذلتها هذه الدول لمنع اندلاع الصراع، فقد نفذت واشنطن هجومين على إيران في وقت كانت تجري فيه مفاوضات بشأن برنامجها النووي، وهي المحادثات التي قادتها ودعمتها سلطنة عمان، قبل أن تتوقف في يونيو الماضي عقب ضربات أمريكية وإسرائيلية استهدفت منشآت نووية إيرانية.

وعندما استؤنفت هذه المحادثات في فبراير لم تستمر طويلا؛ إذ سرعان ما انهارت مع بدء ترامب قصف طهران بالتنسيق مع إسرائيل قبيل جولة جديدة من الاجتماعات، ومنذ اندلاع الحرب، تكبدت دول الخليج أعباء مالية ضخمة، حيث اضطرت إلى إنفاق مليارات الدولارات للتصدي للهجمات اليومية بالصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، وهو ما ألحق أضرارا واضحة باقتصاداتها وسيادتها. 

ويرى محللون، أن هذا الواقع هو ما يفسر حذر هذه الدول في التعامل مع الدعوات الحالية لوقف إطلاق النار، إلى جانب استمرار الشكوك حول ما إذا كانت تصريحات ترامب بشأن السلام تعكس نوايا حقيقية أم مجرد تمهيد لتصعيد جديد.

دول الخليج تأثرت بتجاربها السابقة

وفي هذا السياق، قال بلال صعب، المدير الإداري الأول لمجموعة «تريندز يو إس» والمسؤول السابق في وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون» خلال إدارة الرئيس ترامب الأولى، إن دول الخليج تأثرت بتجاربها السابقة، موضحًا أنها كانت تعتقد أنها تقوم بدور وساطة مفيد، قبل أن تكتشف أن تلك الجهود لم تحقق شيئا يذكر. 

إيران 
إيران 

وأضاف، أن تورطها المباشر في الحرب واستمرار تعرضها لهجمات إيرانية ساهمًا في خلق حالة من الإحباط وخيبة الأمل، وهو ما يؤثر على رغبتها، وربما قدرتها أيضًا، على الانخراط في أي وساطة جديدة.

كما يشير محللون إلى أن الغموض الذي يحيط بالمفاوضات المزعومة بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب انعدام الثقة العميق في نهج إدارة ترامب، جعلا قادة الخليج يترددون في تصدر المشهد الدبلوماسي في الوقت الراهن، ولا يزال من غير الواضح من يمثل الطرف الإيراني في هذه المفاوضات، خاصة في ظل التغيرات التي شهدها هيكل القيادة داخل إيران بعد اغتيال عدد من الشخصيات البارزة، وبقاء المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي بعيدًا عن الظهور.

بعد رفضها.. إيران تتراجع وتعلق على مقترح أمريكا 

ورفضت طهران مساء الأربعاء، بشكل قاطع الخطة الأمريكية المكونة من 15 بندًا لإنهاء الحرب، والتي نقلت إليها عبر قنوات باكستانية، ووصفتها بأنها «غير منطقية»، وقدمت في المقابل مقترحًا مختلفًا بشكل ملحوظ، وقد زاد ذلك من المخاوف الإقليمية من أن تتحول أي مفاوضات إلى غطاء لعمليات تصعيد إضافية، أو حتى لاغتيال مزيد من القيادات الإيرانية، فبينما يتحدث ترامب عن تقدم في المسار التفاوضي، تواصل الولايات المتحدة نشر آلاف الجنود في الشرق الأوسط، وهو ما يعزز مخاوف دول الخليج من أن تجد نفسها مرة أخرى مجرد طرف في صراع تقوده واشنطن وتل أبيب.

ولكن في خطوة تحمل أبعادًا سياسية حساسة، أرسلت طهران خلال الساعات الماضية اليوم الخميس الموافق 26 مارس 2026، ردها الرسمي على المقترح الأمريكي الذي يتضمن خمسة عشر بندًا، وذلك عبر قنوات الوساطة، في انتظار ما سيصدر عن الجانب الآخر من رد.

وأوضح المصدر أن الرد الإيراني لم يكن مجرد تعليق عام، بل تضمن مجموعة من النقاط الجوهرية التي اعتبرتها طهران أساسية لأي تفاهم محتمل.

 وجاء في مقدمة هذه المطالب ضرورة وقف ما وصفته بـ"العدوان" وعمليات الاغتيال، إلى جانب العمل على تهيئة بيئة تضمن عدم تكرار اندلاع الحرب مرة أخرى، مشددة على أهمية تحديد الأضرار التي لحقت بها نتيجة الصراع، مع ضمان تعويضها بشكل واضح وصريح.

إيران 
إيران 

تصعيد عسكري.. وشكوك مشابهة

ويرى “صعب”، أن هناك احتمالًا قائمًا بأن تكون هذه التحركات مجرد تمهيد لعملية عسكرية جديدة، أو محاولة لفرض مفاوضات تحت ضغط التهديد بتدخل بري، كما أعربت مصادر دبلوماسية إيرانية عن شكوك مشابهة، حيث أشار أحدها إلى أن مستوى انعدام الثقة مرتفع للغاية، مستشهدًا بتجارب سابقة اعتبرت فيها طهران أن المفاوضات استغلت لاستهداف قادتها.

ومن جانبه، قال بدر السيف، الأستاذ في جامعة الكويت والزميل في «تشاتام هاوس»، إن دول الخليج تجد صعوبة في تجاهل نمط متكرر، يتمثل في أن الحديث عن التفاوض من قبل إدارة ترامب غالبًا ما يتبعه تصعيد عسكري، مضيفًا أن مفهوم ترامب للتفاوض غير واضح وممتد، وأن الوضع الحالي لا يزال شديد التقلب، معتبرًا أن دول الخليج قد لا تنخرط بجدية في أي مفاوضات إلا عندما تشعر أن لديها دورًا حقيقيًا يمكن أن تؤديه.

وفي الوقت نفسه، تدرك هذه الدول أهمية المشاركة في أي عملية تفاوضية حقيقية، نظرًا لما قد يترتب عليها من آثار مباشرة على أمنها ومستقبلها الاقتصادي. فاحتمال انتهاء الحرب مع بقاء النظام الإيراني الحالي، الذي قد يصبح أكثر تشددا ورغبة في الانتقام، يشكل مصدر قلق كبير، خاصة مع قدرته المثبتة على إلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية الحيوية في المنطقة.

كما يظل ملف مضيق هرمز، أحد أبرز مصادر القلق، نظرًا لأهميته الحيوية في تصدير النفط والغاز الخليجي إلى العالم، واستمرار قدرة إيران على التأثير فيه، وهو ما يجعله بمثابة تهديد دائم للاقتصادات الإقليمية.

وفي المقابل، فإن استمرار الحرب لفترة طويلة بهدف تغيير النظام في إيران يحمل مخاطر لا تقل خطورة؛ إذ قد يؤدي إلى استنزاف موارد دول الخليج، وتعريض منشآت الطاقة والمياه لأضرار جسيمة، إلى جانب الخسائر البشرية المحتملة، كما يبقى احتمال لجوء طهران إلى تفعيل شبكات موالية لها داخل بعض دول الخليج، وهو ما قد يفتح الباب أمام صراعات داخلية تزيد من حالة عدم الاستقرار.

إيران 
إيران 

مفاوضات مع إيران رغم العلاقات الأمنية

كما يرى «السيف»، أن من الضروري ألا تكتفي دول الخليج بالاعتماد على الولايات المتحدة في إدارة هذا الملف، بل ينبغي أن تسعى إلى فتح قنوات تفاوض مباشرة مع إيران لضمان حماية مصالحها، مؤكدًا أن هذه الحرب لم تكن في الأصل حربها، وأن من مصلحتها تقليل آثارها إلى الحد الأدنى.

وفي هذا السياق، اعتبر أن طرح باكستان كموقع محتمل لاستضافة محادثات السلام قد يكون مقبولًا نسبيًا لدول الخليج، بحكم علاقاتها الوثيقة مع عدد من هذه الدول، إلا أن هناك تساؤلات حول مدى قدرتها على التأثير في إيران مقارنة بدول مثل قطر والإمارات، اللتين تحتفظان بعلاقات اقتصادية مهمة مع طهران.

من جهته، أشار أليكس فاتانكا، الباحث في معهد الشرق الأوسط، إلى أنه لا يوجد ما يضمن أن تضع الولايات المتحدة مصالح دول الخليج في صدارة أولوياتها خلال أي مفاوضات مع إيران رغم العلاقات الأمنية القائمة، كما لفت إلى أنه من غير المرجح أن توافق طهران على التخلي عن ترسانتها الصاروخية، التي أثبتت فعاليتها كأداة ضغط.

وأضاف، أن الرئيس الأمريكي ترامب قد لا يتردد في تجاهل مصالح دول الخليج إذا تعارضت مع حساباته، معتبرًا أن اهتمامه بها يرتبط في كثير من الأحيان باعتبارات اقتصادية وتجارية.

وفي ختام حديثه، توقع الباحث بمعهد الشرق الأوسط، أن تسعى دول الخليج في نهاية المطاف إلى إعادة بناء قنوات التواصل مع إيران، كما فعلت في السابق، نظرًا لحقيقة أنها ستبقى دائما في مواجهة مباشرة معها بحكم الجغرافيا، وهو ما يفرض عليها البحث عن سبل للتعايش وتقليل التوتر على المدى الطويل.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء