من الواضح أن طول أمد الحرب علي إيران لا يصب في صالح أغلب الأطراف المنخرطة في الصراع الإقليمي الجاري، بما في ذلك إيران نفسها. هذه حقيقة قد تبدو غير بديهية للبعض في ظل التصعيد المتسارع، لكنها تفرض نفسها عند قراءة حسابات المصالح والقيود التي تحكم سلوك كل طرف.
من المفهوم أن الولايات المتحدة تسعى لإنهاء هذه الحرب سريعًا، حتى لا تنزلق إلى مواجهة طويلة تتحول إلى مستنقع يستنزف مواردها وقدراتها، ويقوض صورتها كقوة قادرة على الحسم. فواشنطن تخوض حربًا اختيارية على بعد آلاف الأميال، مدفوعة جزئيًا بحسابات مرتبطة بمصالح إسرائيل، وليست حربًا وجودية بالمعنى الذي تراه موسكو في أوكرانيا على سبيل المثال. ولهذا السبب، ومع تزايد الضغوط الاقتصادية الداخلية وارتفاع أسعار الطاقة، يعارض قطاع واسع من الرأي العام الأمريكي هذه الحرب، وهو ما يضع إدارة ترامب أمام معادلة دقيقة بين تحقيق أهدافها العسكرية وتفادي الانزلاق إلى صراع طويل الأمد.
كما أن تداعيات الحرب لم تقتصر على خصوم الولايات المتحدة، بل امتدت لتصيب حلفاءها أيضًا. فدول الخليج، التي كانت متحفظة على خيار الحرب منذ البداية، وجدت نفسها في مرمى الردود الإيرانية، بينما أدى إغلاق مضيق هرمز إلى تعطيل نحو 20% من إمدادات الطاقة الأحفورية عالميًا، ما تسبب في صدمة كبيرة للاقتصاد العالمي، خصوصًا في أسواق أوروبا وآسيا، بما في ذلك شركاء واشنطن الكبار بالقارتين كاليابان وكوريا الجنوبية الشطر الأوروبي لحلف شمال الأطلسي. وفي الوقت ذاته، فإن عدم قدرة الولايات المتحدة حتى الآن على تأمين الملاحة في المضيق يثير تساؤلات حول مدى فاعلية القوة الأمريكية، ويضعف من صورة واشنطن كحليف قادر على توفير الحماية.
لذلك، حتى وإن حققت الولايات المتحدة مكاسب عسكرية، فإنها ستخرج من هذه الحرب محملة بخسائر سياسية حقيقية، وربما اقتصادية وعسكرية إذا طال أمد الصراع، وهي خسائر لن يكون من السهل احتواؤها أو التغطية عليها، حتى في حال إعلان النصر. ومن هنا يمكن فهم سعي ترامب إلى إيجاد مخرج سياسي للأزمة قبل أن تتفاقم كلفتها، وهو مخرج يتطلب تقديم إيران لتنازلات تسمح له بتسويق نتيجة الحرب كنجاح سياسي. أما في حال تعثر هذا المسار، فإن التصعيد سيظل الخيار البديل، بكل ما يحمله من مخاطر.
في المقابل، لدى إيران هي الأخرى دوافع قوية تدفعها نحو إنهاء الحرب، حتي وإن لم تصرح بذلك علناً. فالبلاد تعاني من وضع اقتصادي متدهور تفاقم مع إعادة فرض العقوبات الأممية تفعيل آلية الزناد، وقد انعكس ذلك في اضطرابات داخلية واسعة لم يمض عليها وقت طويل. ومع اندلاع الحرب، ازدادت الضغوط الاقتصادية والمعيشية، إلى جانب الخسائر الكبيرة التي تكبدها النظام على مستوى البنية التحتية والقدرات العسكرية، فضلًا عن فقدان عدد كبير من قياداته البارزة.
ورغم أن النظام الإيراني قد يتمكن من الصمود لفترة مستفيدًا من قدرته على امتصاص الضربات وتحقيق قدر من الردع، فإن هذا الصمود له حدود. فالدعم الخارجي يكاد يكون منعدمًا، في ظل حرص كل من موسكو وبكين على إدارة تنافسهما مع الولايات المتحدة دون الانزلاق إلى مواجهة ضدها بالوكالة في الشرق الأوسط. كما أن تراجع وتيرة إطلاق الصواريخ يشير إلى ضغوط على المخزونات والقدرات الإنتاجية التي تعرض جزء كبير منها لضربات، وهو ما قد يحد من قدرة إيران على الاستمرار في نفس وتيرة التصعيد على المدى الطويل.
إلى جانب ذلك، فإن استمرار الحرب يرفع من مخاطر اتساع نطاقها، خاصة في ظل استهداف إيران لدول الخليج، وهو ما قد يدفع هذه البلدان، أو بعضها، إلى الانخراط عسكريًا بشكل مباشر. مثل هذا السيناريو من شأنه أن يزيد الضغط على إيران بشكل كبير، ويفتح جبهات إضافية لا تبدو طهران في وضع يسمح لها بإدارتها في آن واحد.
ورغم هذه الضغوط، فإن القيادة الإيرانية لن تقبل بتسوية تُظهرها بمظهر المستسلم، وهو ما يفرض على أي مسار تفاوضي محتمل أن يتضمن حوافز حقيقية، خاصة على الصعيد الاقتصادي، تتيح للنظام الحفاظ على تماسكه والشروع في التعافي. أما في حال الإصرار على صيغة أقرب إلى “الاستسلام غير المشروط”، فمن المرجح أن تختار طهران الاستمرار في القتال، حتى مع ارتفاع الكلفة.
وإذا كان طول أمد الحرب لا يخدم الولايات المتحدة ولا إيران، فإن الطرف الإسرائيلي يمثل الاستثناء الأبرز. فتل أبيب تنظر إلى هذه الحرب باعتبارها فرصة تاريخية لإضعاف إيران إلى أقصى حد ممكن، وإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة بشكل جذري. ومن هذا المنطلق، تبدو إسرائيل أكثر استعدادًا لتحمل كلفة الصراع على مدى أطول، حتى لو ترتب على ذلك أضرار إقليمية ودولية واسعة.
كما أن الحكومة الإسرائيلية، وعلى رأسها نتنياهو، تتحرك من موقع داخلي أكثر تماسكًا نسبيًا، في ظل دعم شعبي واسع للحرب، مقارنة بالضغوط التي يواجهها كل من ترامب في الداخل الأمريكي، والنظام الإيراني في الداخل الإيراني. وهو ما يمنح تل أبيب هامش حركة أوسع في الدفع نحو استمرار العمليات العسكرية.
لهذا السبب تحديدًا، تبدو فرص التوصل إلى تسوية سريعة محدودة، رغم المؤشرات الإيجابية الصادرة عن واشنطن وطهران. فالفجوة بين شروط الطرفين لا تزال كبيرة، وردمها يتطلب وقتًا وعملية تفاوضية معقدة. كما أن التفاوض في ظل استمرار العمليات العسكرية يظل محفوفًا بالمخاطر، إذ يمكن لأي تصعيد ميداني أن يقوض المسار السياسي في أي لحظة.
في المحصلة، لا تبدو هذه الحرب مرشحة لنهاية سريعة، لكنها أيضًا ليست في مصلحة أغلب أطرافها إذا ما طال أمدها. وبين هذين المسارين، يظل المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة، يحددها توازن دقيق بين التصعيد ومحاولات الاحتواء، في سياق إقليمي ودولي شديد التعقيد.