رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بريد الدم في العراق.. حسين الأسعد يشرح التناحر بين طهران وواشنطن ببغداد|خاص

العراق
العراق

يواجه العراق اليوم واحدة من أعقد فتراته السياسية والأمنية، حيث تحول جراء التجاذبات الإقليمية والدولية إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات وتبادل الرسائل النارية بين واشنطن وطهران. 

صندوق بريد دامِ

هذا الصراع المتصاعد يلقي بظلاله الثقيلة على الداخل العراقي، مهدداً سيادة الدولة واستقرارها الهش، وفي هذا الحوار الخاص، يقدم لنا شرحا وافيا ومعمقا عما يحدث في العراق الآن الباحث والأكاديمي العراقي حسين الأسعد، راصداً لـ "إيجبتك"التحولات التاريخية في النفوذ المشترك، ومعضلة غياب التوافق السياسي الداخلي، وصولاً إلى الخلط الميداني المعقد بين الفصائل المسلحة والمؤسسات الرسمية، وما يخبئه هذا المشهد الضبابي من سيناريوهات مفتوحة على الخطر.

فالعراق يواجه اليوم مخاضاً عسيراً يضعه في قلب "حرب استنزاف" كبرى تدور رحاها بين واشنطن وطهران، حيث لم تعد الساحة العراقية مجرد حليف لأحد الطرفين، بل تحولت إلى "صندوق بريد دامٍ" لتبادل الرسائل العسكرية والسياسية. 
وحسب ما يصفه الأسعد: ما يحدث الآن في سياق الحرب الدائرة بين واشنطن وطهران ينعكس بشكل كبير وواضح على الساحة العراقية، ويرجع ذلك لأسباب متعددة ترتبط بكل من الجانبين الإيراني والأمريكي على حد سواء.

فالجميع يدرك أن العراق تحول إلى ساحة للنفوذ الإيراني والأمريكي منذ التغيير السياسي الذي شهده عام 2003، ورغم التنافس، كان هناك توافق وانسجام في الرؤى بين الطرفين حول بعض الملفات عقب سقوط النظام السابق، ومن أبرز هذه الملفات المشتركة هو القضاء على الحركات الراديكالية المتطرفة.

ساحة مستباحة

 فبعد الغزو الأمريكي لأفغانستان، هاجرت عناصر تنظيم القاعدة والحركات المتشددة الأخرى نحو العراق، ليصبح ساحة مستباحة لتلك الجماعات، وهو ما استدعى القضاء عليها عبر القوة العسكرية والأمنية الأمريكية من جهة، وبدعم من المفهوم العقائدي الإيراني من جهة أخرى. 

وينطلق هذا المفهوم من حقيقة أن الكتلة البشرية الأكبر في العراق ترتبط عقائدياً بالجانب الإيراني، وتتضاد وتتناقض كلياً مع هذه الحركات الراديكالية.

وبعد سنوات من القضاء على هذه الجماعات، تعاقبت حكومات عراقية كانت متماهية ومنسجمة ومتأثرة بالنفوذ الإيراني بشكل أو بآخر، مما سمح بتعاظم هذا النفوذ وتجذره. 

إلا أن هذا الواقع والمفهوم تغير بشكل جذري بعد أحداث السابع من أكتوبر، وما أعقبها من ضعف أصاب الموقف الإيراني في المنطقة، الأمر الذي جعل الساحة العراقية تتحول اليوم إلى ساحة صراع مكشوف. 

منع الخصم من الاستفادة

فإيران لا يمكنها السماح بإنهاء نفوذها التاريخي في العراق لصالح المنافسين، لكن الصراع هذه المرة يأخذ طابعاً مختلفاً؛ ففي العادة يكون العداء بين الدول للاستحواذ على منطقة استراتيجية معينة، أما في حالتنا الراهنة فالدافع الإيراني هو منع الخصم أو العدو من الاستفادة من الساحة العراقية. 

ورغم احتمالية وجود فكرة التخلي، إلا أن المبدأ الإيراني الثابت الآن هو حرمان الطرف الآخر من استغلال الضعف الإيراني الراهن لصالحه.

تتزامن هذه الضغوط الخارجية مع إشكالية داخلية كبرى في العراق، تتمثل في غياب الانسجام السياسي والرؤية الموحدة بين الفرقاء السياسيين. من الطبيعي في الأنظمة البرلمانية أن تشهد الساحة صراعات وتنافسات حزبية حول ملفات داخلية معينة، لكن المتعارف عليه دولياً هو توحد القرار والموقف عند تعرض الدولة لمخاطر تهدد أمنها القومي، وهذا ما نفتقده في العراق. فالقرار الحكومي الحالي لا يستند إلى رؤية توافقية للأحزاب المشكلة للسلطة، بل لكل طرف رأيه الخاص وموقفه المستقل.

استهداف الحشد الشعبي

وما يزيد الطين بلة هو أن الحكومة الحالية تعمل بصيغة "تصريف أعمال"، فمنذ انتهاء الانتخابات في أكتوبر من العام الماضي وحتى اللحظة، لم يتم تشكيل واختيار حكومة شرعية كاملة الصلاحيات ومصادق عليها من قبل البرلمان، مما يكبل يدي السلطة التنفيذية تماماً ويجعل موقفها لا تحسد عليه وسط هذه التناقضات العميقة. 

وينصب جل اهتمام الحكومة الآن على الحفاظ على الاستقرار الأمني الظاهري، وتأمين المستحقات والرواتب المالية للموظفين، خاصة وأن الميزانية العراقية تعتمد بشكل شبه كلي على تصدير النفط، وهو مشهد يضفي ضبابية شديدة على المستقبل.

وعلى الصعيد الميداني، نشهد صراعاً واسعاً يتركز حول القواعد والمقرات التابعة لـ"الحشد الشعبي" من قبل القوات الأمريكية. ورغم الجدل حول دستوريتها، إلا أنها تظل مؤسسة أمنية مرخصة وفقاً للقوانين التي أفرزتها ظروف المراحل السابقة، وتخضع نظرياً لأوامر القائد العام للقوات المسلحة. 

المشكلة تكمن في الخلط الأمريكي المتعمد أو غير المتعمد باستهداف هذه المؤسسة التي حمت العراق وقدمت تضحيات جسيمة لمكافحة تنظيم داعش، والذريعة الأمريكية هنا هي وجود بعض الفصائل المسلحة خارج إطار الحشد التي تستغل غطاء هذه المؤسسة الرسمية لتطوير وبناء قدراتها العسكرية الذاتية.

الوضع ملتهب في بغداد

الوضع الآن يبدو مشوهاً ومعقداً؛ فالقرار السياسي موجود نظرياً لدى الجانب الحكومي لكن العقدة تكمن في التنفيذ. فإذا ما رغبت الحكومة في إنهاء ظاهرة الفصائل المسلحة بطرق سلمية أو تفاوضية أو عبر منحها بعض الامتيازات، فإنها تصطدم بموقف الطرف الآخر (الولايات المتحدة) الذي لا يقدم أي ضمانات بعدم استهداف هذه الفصائل.

 وبسبب هذا التعنت أصبحت الأرض العراقية مستباحة للقصف الأمريكي والإسرائيلي، مع وجود ردود فعل إيرانية، وهو وضع غير مقبول إطلاقاً وينذر بمخاطر جمة على المستقبل.

ولعل ما يتداول الآن في الأوساط والوكالات الإخبارية من إجراءات أمنية واستنفار في العاصمة بغداد، ووضع حواجر ونقاط تفتيش في مناطق قريبة من المطار (مثل أبو غريب، الشعلة، الغزالية، والعامرية) يعزز هذه المخاوف.

 ورغم كوني خارج بغداد حالياً ولا يمكنني تأكيد الخبر بيقين قاطع، إلا أن تداول هذه الأخبار والمؤشرات الميدانية يبرهن على مدى تدهور الأوضاع وتأثيرها السلبي على أمن المواطن واستقرار البلاد.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء